|
تعبّر القصة عن معاناة الإنسان العربي خارج حدود الأرض العربية، فالساردة التي تعيش في
كندا، لا تشعر بأنها تتمتع بحقوقها الإنسانية، بسبب التمييز العنصري الذي تعاني منه بسبب
الغربة، ولعل شعورها بالغربة، وإحساسها العميق بضخامة المعاناة يُحوّلها إلى إنسانٍ
مسحوقٍ يجعل منها حشرةً صغيرة، كما تحوّل الإنسان لدى (كافكا) إلى صرصار، ففقدَ شعوره
الإنساني بالحياة من حوله.
إن الساردة تتحوّل إلى نملةٍ تعبيراً عن ضآلة الحجم، مقابل الآخر الأمريكي الذي يتضخم
فيغدو ديناصوراً، وهنا تتبدّى المفارقة الفنية في حجم الحيوانين:
الديناصور الأمريكي الكبير، والنملة العربية الصغيرة، لكن الصاعق في هذه المفارقة هو
التمييز العنصري الذي يتعامل به الديناصور مع الآخرين من جهة، وفقدان النزعة الإنسانية
من جهة ثانية، لأن الأمريكي قد حوّل نفسه حيواناً، وأرغم غيره على أن يكون حشرةً صغيرة،
فـ (الحَيْوَنَةُ) التي هي عكس (الأَنْسَنة) كانت من فِعل الآخر الذي عملت الكاتبة على
إدانته وتعريته، وقد لمّحت أن موقفه من العرب يمت بصلةٍ وثيقةٍ إلى الصهيونية، لأن
الفتاة/ النملة التي تحولت إلى الرقم 19 في المنظور الأمريكي، أوحت لنا بالتلميح أنها
عربية: "مصيبتي أن عيوني لها شكل القمح، ولون شعري ليس بلون السنابل، السنابل التي
يزرعها جدي، وتحصدها هذه الصراصير، أولاد الـ..." وتثبت انتماءها "لقطر عربي يجري فيه
دجلة والفرات والعاصي، وعندنا شاعر كبير اسمه ديك الجن".
تقف القصة عند حادثةٍ معينةٍ، حيث تخرج الفتاة الساردة من مكان إقامتها في كندا، وتتّجه
مع مجموعةٍ من محبي السلام إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في مظاهرةٍ سلميةٍ
ستجري في اليوم الثاني في واشنطن من أجل السلام وإيقاف الحرب، لكنها تفاجأ بالحاجز
الحدودي الذي يقف حائلاً دون العبور مع غيرها، ليمارس الديناصور أساليب اضطهاده في
التحقيق، فيدخل كل واحدٍ من أفراد المجموعة السلمية في متاهةٍ من الأسئلة والتحقيقات من
البطاقات الشخصية إلى الهواتف الجوالة، إلى محتويات حقائب الأيدي، لكن معاناة الفتاة
كعربية فاق معاناة الآخرين. إذ يسمح الديناصور لمجموعةٍ بالعبور، ويرغم الباقين على
العودة..
إن الكاتبة واعية لأدواتها الفنية والفكرية، وقد تجلّى هذا الوعي في براعتها في تحريك
ترميزاتها الحيوانية (النملة الصغيرة، النمل الأشقر. الديناصور. أولاد الصراصير) والرمز
الفلسطيني الذي جسّده (أيوب) بكوفيته الوطنية.
كما تجلّى في وصف الفتاة التي تحاول أن تخفي ملامحها العربية بغية الوصول إلى هدفها،
وعبور الحدود، فتعمل على تمويه شخصيتها "وقفتُ أمام المرآة. اعتمرتُ قبعةً جميلةً. أخفيت
بقايا الشعر الأسود تحتها. نظرت برضا... لا بأس. ينقصني أيضاً نظارات شمسية، وسأبدو
مثلهم، أليست النظارات أيضاً تمارس إرهاباً نحو الآخر؟..."
لكن هذه التمويه المؤقت، غدا مرفوضاً في لحظة المواجهة، فهي على الرغم من حرصها على
العبور، إلاّ أنها أمام الديناصور الأمريكي تريد أن تثبت هويتها، وتتشبث بعروبتها، فتعود
إلى إظهار ملامحها الحقيقية "خلعتُ قبعتي، ورحت أفرد خصلات شعري الأسود في هذه المرة".
وقد أغنت الكاتبة قصتها بمجموعةٍ من الأهازيج الشعبية الفلسطينية والشعر المقاوم، كقول
سميح القاسم: "أناديكم، أشدّ على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم. وأقول أفديكم" وأيوب
رمز الشتات الفلسطيني يهزج: "وقّفوني على الحدود، وقال بدهم هويتي" والساردة يخطر لها
هذا الغناء "يما مويل الهوى/ يما مويليا/ ضرب الخناجر ولا حكم النذل بيا".
___
* نشر النص والنقد في مجلةالموقف الادبي عدد 383/سوريا
____________________
القراءة الثانية
لنص: أحذية وجرابات لجاكلين سلام
كتب: نعيم عبد مهلهل/العراق
هذا التعليق قبل الولوج الى النص ..أو لنقل مقدمة مفضوحة لمثل هذه الأفكار الجديدة .
التي يفترضها
وتفلسف لها أمرأة شاعرة وهذا يكفي كما يقول ماركيز :أن يعيدنا الى التفكير بجعل ماكاندو
وطناً للجميع..وماكاندو هي المدينة الشهيرة في مائة عام من العزلة.
يعيش النص على غرائبية الفكرة والفضاء الذي يطير فيه النص وهو يكون جسده من أشياء لاتحصى
من تأملات وانعكاسات حضارية شملت ذائقتنا وجعلتنا نفكر بإمساك ماهو أهم من قوالب هوميروس
وأجندة المتنبي التي لاتحتمل في بلاغتها وسحرية صورتها. لقد تحول الأمر الى جديد يفرض
أيدلوجيته بذوق آخر غير خطابات عبد الناصر وفواحش فاروق ومخبئ صدام الضيق ، وأن
البروستات التي ذهبت بالحسين بن طلال الى دهاليز الملفات السرية لم تعد هاجساً قومياً
.الأمر يرتهن كما يقول نص جاكلين سلام :{بالحاجة الحقيقية والحاسمة .وعلاقتي الشخصية
بهذه البلاد، حميمة مع جراباتي لسبب جوهري أول: أن حرارة اليوم " ناقص 40 درجة مئوية }
والشتاء لاذع في عصفه الطويل"
الجوراب والعاصف . الجوراب وحال الأمة، الجوراب والحب. الكل يريد أن يرتدي شيئاً.
العاصفة ترتدي الريح جوراباً ..الأمة ترتدي الجماهير . الحب يرتدي قبلات الحبيب.
هذه المرأة تفكر بجدية وخارج المألوف وتحاول أن تجد جدلية راقصة من خلال الشعر لتبرهن
لنا أن عزاءها ومرحها واحد وعليه فأن النص في جعله الحذاء والجوراب وعاطفة الطفولة
والحدث المكرر على التلفزة يبدو أمراً منطقياً ، بل أجده شجاعة أن تخرج أمراة بمثل هذا
النمط من الهاجس وتوقف الأشياء عند حدودها .بل وتجعل المحظور أثاثاً جمالياً لموجودات
غرفنا السرية .
أن جاكلين سلام تشتغل على نمط من الحلم يدعى : الهاجس المحرج أو لنسميه التناول الحاد
وربما يطلق عليه نيتشه المشهد الجميل الذي لايحبه قيصر . انا أسميه : المألوف المتخفي
وراء خمار الناسكة. وكأن النص راهباً وأرانا حجم مانرتدي من الرتابة والذكريات والأمل (
قل للمليحة في الخمار الأسود .. ماذا فعلت براهب متعبد)
يشتغل هذا النص على جمالية وعرة ..وشيئاً من فضفاضية الصورة. بل ينقلنا الى مخيلة
الكوميديا وهي تتخذ من مرميات البيت { وأقصد الجواريب والأحذية التي نرميها في زوايا غير
محددة كلما عدنا الى بيت } وهو مايسميه كاستون بلاشار: الصغائر البيتية المدهشة، ولايقصد
هنا أواني الورد أو علب المكياج. بل يعني هذه الكتل التي تؤدي غرض الوصول الى أي رغبة
وترمى مثلما ترمى القطط في الشوارع عندما يحين آوان كهولتها.
لهذا فالنص يمتلك حداثة ساحرة وبدائية لذيذة ترتدي الفطرة والحكمة والفروسية أيضاً رغم
أن صاحبة النص امرأة رمت خواطرها الى صندوق البريد على شكل رسالة، ولكنها في الحقيقة
صنعت نصاً يعرف كيف يحقق لصاحبته حضوراً في حداثة مايتداول اليوم.
يذهب النص الى أكثر من هاجس ثقافي وسياسي. وفكرته: أنه يشتغل على مسننة الرمز التي تدور
في أزقة حياتنا .بل النص يفتش عن قبول حضاري لفكرة أن نكون موجودون بخصوصيتنا نحن
لابخصوصية المعاطف التي نرتديها.
وفي النهاية. قد يجد القارئ النبيه.مقدمات غير التي التي أختصرت بها حلم النص. وربما
سيكتشف أكثر مني قصدية ماأرادت أن تصل اليه الشاعرة جاكلين سلام وهي نشتغل هذه المرة على
حفريات المكان المحلي ولكنه يتحول بفطنتها ومهبتها الموسيقية والحسية الى مكان كوني يبدأ
من حقل والدها وحتى مكان المنفى الذي تراه بدون جرابات لايصلح حتى لنزهة المساء
الباردة.
النص مكتوب في كندا والتعليق مكتوب في الناصرية في جنوب العراق ..ولكن كلا المكانيين
يرتديان ذات الجرابات وذات الأحذية.
_ _ _ _
*نشر المقال في صحف عراقية ومواقع الكترونية عدة منها: كتابات
/2005
|