|
1
من علائم فقر النقد وإفلاس النقاد عندنا إنهم، حين يشرعون في قراءة شاعرة ما، يروحون
يتقصّون ما هو أنثويّ في شعرها، كأنما عثروا في جنس الشاعرة على الجزّة الذهبية التي
سيؤبون غانمين بها، غير عارفين أن ذلك مما يتنافى والنقد بوصفه سبراً لمطاوي النص، لا
اغترافاً من المورد الأقرب المتاح.
إنهم بذلك يديمون الظلم العربي التقليدي للمرأة الكاتبة بإعطاء هذا الظلم (شرعية)
فحواها أن للكتابة الشعرية النسوية تقاليد وأعرافاً تفارق كتابة الرجال، وان هاته
الأعراف والتقاليد تصلح لأن تكون المدخل لقراءة كل نص لأيّ شاعرة.
الشاعرة ـ وقد خُتم على شعرها بختم الأنوثة ـ أصبح لنتاجها كله حكمُ معيارٍ يخصّها
وحدها، فهي عادة ما تُقارن بالشواعر وحسب، هي متميزة بإزاء سواها من بنات جنسها، كأنما
الناقد غير متاح له أن يراها هي وشعرها إلا في هذا الفضاء الملفّق المصنوع من وهم خصوصية
الكتابة النسوية.
ويبدو أن بعضاً من الشواعر قد استمرأن هذا التقليد وانسقن إلى متابعة ما يراد منهن أن
يكنّه ولو أدّى ذلك إلى هدر الإمكان الشعري الذي يتوافرن عليه، فرحن ينوّعن على
الفولكلور التقليدي لشعر نسوي هو أولاً وآخراً محض إشاعة في ثقافتنا العربية المبتناة
على إشاعات.
قلة منهنّ من أفلتن من هذا القيد ليمارسن كتابة حرّة غير ناظرة إلى الأنوثة بوصفها
المحرّك الباعث على تلوين النص بما يشتهي القارئ الكسول الخامل أن يراه، فلا منمنمات
تعيد عليه ذكرى (الحراير) المشغولة بالإبر، ولا الزركشة اللغوية الناعمة إياها، أو الهمس
الذي يستساغ لفرط عذوبته حتى لو كان إنباء عن الطوفان.
إن نصوصاً نسوية كهذه تغدو مثار دهشة للقارئ، لا لشيء إلا لأن الشعر متقدّم فيها وغالب
على كل الصفات الأخرى، ومن بينها طبعاً صفة الأنوثة.
أجد هذا المدخل ضرورياً قبل الكلام عن كتاب ( كريستال) لجاكلين سلام، ذلك أن قصائد
الكتاب ـ مثلها مثل قصائد أخرى جديدة قرأتها للشاعرة ـ تدعو قارئها إلى نبذ ذلك التحسس
الذي تجابَه به نصوص الشاعرات عادة، أعني الحساسية الناظرة إلى جنس (مبتدع) النصّ بوصفه
لا مفتاح القراءة فحسب، وإنما القيمة المهيمنة على مجمل المكتوب.
2
تطمح جاكلين سلام في الوصول بلغتها إلى حيادية ما، إذ لا نلحظ ذلك اللعب الذي يهتك اللغة
أو يقترح كوّة لغوية جديدة لرؤية العالم. إنها عمدت ـ بدلاً من ذلك ـ إلى زجّ شؤونها
الشعرية الأليفة ـ وهي شؤون قابلة للاستقصاء بفضل تكرارها ـ في أفق كتابي تمارس اللغة
فيه وظيفة انتظار دائم، الأمر الذي يشي برغبة الشاعرة في الإعلاء من شأن المعطى الشعري
الخام على حساب اللعب اللغوي.
هذا الحياد اللغوي مكن الشاعرة من الوصول بحالاتها إلى انسيابية لا يعكرها نفوذ قول ساعٍ
إلى الظهور كمنجز بذاته أو كعلامة وحيدة على ما يطمح إليه النص، الأمر الذي منح الكتاب
بمجمله دفقة من الحرية الأسلوبية بحيث بدا كأنما الشاعرة لا تعنيها كثيراً الوجهة التي
سيقودها إليها هذا الافتتان بتدوين يوميات شعرية تتماثل ـ في مواضع كثيرة ـ مع تقنيات
السرد القصصي.
إذ تحدثت توّاً عن المعطى الشعري الخام في ( كريستال) فقد كنت أريد القول إن الشاعرة في
مجمل نصوص الكتاب كانت تراهن على قوة الحالة الشعرية والطاقة الوجدانية التي تعد بها دون
مزيد من الإلتفات إلى الاعتناء بـ(التعبير) عنها، كأنها تريد الوصول إلى براءة وعذرية
المتخيل أو المعاش قبل أن تمسسه لغة غير بريئة ولها مقاصد تعمل دوماً على إثقال العبارة
بنفوذ من القول الجازم.
جاكلين تكتب قبل اللغة، أي قبل أن تختطف اللغةُ مقتنيات الشاعرة الثمينة من المشاهدات
والصور التي تزخر بها نصوصها.
الصور هي المادة الأساس للكتاب، لقطات سريعة لكن موحية، طمحت الشاعرة إلى بثها في جمل
إسمية متلاحقة متخذة بذلك فعل المصور الفوتوغرافي الذي يرى أهمية ما أنجز لا في خلقه
لمادة الصورة نفسها بل في انتقائه للمشهد واختياره زاوية التصوير.
ففي قصيدة ( حديث أشياء بين جدرانها ) مثلاً، عمدت الشاعرة ـ وهي تريد توصيف اغتراب
امرأة وحيدة ـ إلى استقصاء كل الأشياء الموجودة في بيت ( الغريبة )، هي لم تنشئ قولاً
يكشف عن اغترابها صراحة أو إيحاء، بل أجرت مسحاً شاملاً لموجودات البيت سمح للقارئ في
الدخول مباشرة إلى حالة يتماثل فيها مع حالة هذه الغريبة التي تعدد أشياءها كأنها لأحد
سواها، الأمر الذي يؤكد الغربة كأجلى ما تكون:
تمثالان برونزيان لطفلتين ....
قوس من لبلاب.......
جهاز كومبيوتر....
والهاتف إلى الجوار.....
قيثارة بأوتار غير منسجمة...
أسد مطبوع على حجر.......
وعاء خزفي........
شموع بأحجام وألوان الغياب......
جرة عطشى................
سجادة من عشب مهترئ..........
هذا الانفصال عن الموجودات المعبَّر عنه بتلقائية، جاء تهيئة للجملة الأخيرة في النص
التي بدت خاتمة لاعلان الاغتراب الذي جعل من امرأة ما تسمي موجودات بيتها واحداً واحداً
:
وهي،
بين هذه الأشياء
مأخوذة منها
وغريبة.
اذا كان الاستقصاء الحيادي للموجودات دلالة على غربة ما، فان هذه الغربة تتجاوز لدى
جاكلين المنحى الشخصاني، بل تمس علاقتها بالعالم ككل، حين راحت تعالج مفاهيم إنسانية
كبرى ـ بعضها له منحى سياسي ـ من خلال التقاطها لبضعة موجودات انتقتها بعناية عين فنانة،
لتعلن انفصالها عن العالم الذي وجدته ـ بالمقارنة مع عالمها الداخلي ـ ملتبساً وضبابياً
أي غير قابل للفهم وبالتالي غير معدّ للحب.
تجد ذلك واضحاً في قصيدة (عولمة) التي تشكل مع عنوانها مفارقة مدهشة لعبتها جاكلين
بإتقان، حيث استثمرت التقنية ( الفوتوغرافية ) ذاتها لتصل بقارئها إلى ذروة ما تريد
البوح به:
عصفور تبكي في منقاره قصيدة...
طفل يهرب من عاصفة....
شاعر يتأرجح على حافة الضياء...
طاغية يسن مخالبه...
زنابق وبنفسج وأقحوان..
وحين تفتح الباب خارجة من العالم الافتراضي ( المعولم ) هذا إلى ( العالم الحقيقي):
لم يدخل إلا الضباب
حملني صرخة
تدق أبواب السماء.
هذه الصرخة الاحتجاجية إزاء ضبابية العالم وعدم وضوحه نراها في مواضع كثيرة من كريستال،
كهذه الجملة التي تنفض غبار المقدس دفعة واحدة:
أنا الصليب
والجلجلة
والطريق.
المجموعة الأولى للشاعرة جاكلين سلام تستحق أن تقرأ بحبّ وبمزيد من التأمل في كيفية
اشتغال الشاعرة على تقنية بسيطة وعميقة طمحت من خلالها إلى إطلاق صوتها الذي يعد بكثير
من التميّز وبإنجازات لاحقة كانت مقدماتها واضحة هنا في (كريستال) الذي ستكون لنا معه
وقفة أخرى مطوّلة.
---
أحمد عبد الحسين شاعر وكاتب عراقي
* نشر في مجلة نســابا الالكترونية
|