حول نص برتقالة عارية في مجموعة رقص مشتبه به. كتب جمال الحلاق
  


الإقامة في عالم يقيم في كلمة 
 قراءة نصّية في نص "برتقالة عارية" لجاكلين سلام 
 كتبها: جمال علي الحلاق       

ما الذي يجعلنا نهرب من العالم ككلّ إلى مفردة صغيرة فيه؟ 

هل يتمكن هذا السؤال من دسّ خباثته، في استنفار الذهن إلى الخوض في إشكالية لا يمكن
التخلّص منها إلا بالإلتفاف حولها بمراوغة ثعلبية؟! 

ثمة خلل في بنية العالم، أو في رؤيتنا للعالم، ربما لأنه " فقد أسباب الدهشة " على حدّ
تعبير جاكلين سلام 

ولكن، ماذا نعني بالدهشة أصلا؟ 

هل هي الطفولة مثلا؟ البراءة؟ أو البداية؟ فبغير هذه الأشياء، يبدو العالم هرما، منغلقا،
فاقدا للجدوى. 

وهنا يستيقظ سؤال آخر، ما الذي يملأ الذات النافرة بالرعب؟ 

أتذكّر جملة أخي النفرّي " وقال لي أقعد في خرم الإبرة ". 

حين ينمو الضيق، تتعالى شيخوخة الأشياء، يصبح كلّ شيء موغلا في القدم، لكنه، في نفس
الوقت يزداد هشاشة، كما لو أن الشيخوخة تسطيح للعالم، إفراغه من أيّ معنى. 

أعتقد أن مرد هذا الإحساس، وهذه الرؤيا، إنما هو عجز الفرد ذاته عن أن يكون فاعلا في
تصميم وإنجاز العالم، فقدانه حس المشاركة. 

هكذا، يجد نفسه ملقى في صندوق مكتمل، وما عليه إلا أن يقيم في الصندوق حياته كلّها. 

أذكر هنا صيحة أخي أبي العلاء: 

                وهل يأبق الإنسان من ملك ربه 

                                فيخرج من أرض له وسماء ؟! 

إعصار من اللاجدوى يجعل العالم ليس لغزا، وإنما مكيدة، أو فخا، ونحن لسنا سوى كائنات
سقطت في الفخ. 

هذا الإحساس لا ينبثق إلا عند نفوس ترى العالم ناقصا، وإن وظيفة الإنسان فيه لا تقل عن
كونه خالقا لهذا النقص. 

" كان العالم مكتظا بصخب الأصدقاء والموسيقى وجوه محدّبة ، مقعّرة ، مستوية ، لم تكتمل "
                                                    

الإنسان لا يتمم ما بدأته اليد الأولى، على العكس، يوغل في جعل العالم ناقصا، ينثر بذور
الشك في مسامات التنفّس. 

" أبحث في اللوح المكسور والقلب المكسور عن الجمل الناقصة " 

النقص يدفع الإنسان إلى الحركة ، لم ينته بعد كلّ شيء ، ولم تقل الكتب الكلمات كلّها ،
أليس هذا تبريرا منطقيا لوجود الذات في العالم ؟ 

فاعلية الذات تكمن في اكتشافها النقص، جعل العالم بحاجة إلى أياد أخرى، ثمة مكان لترك
بصماتنا الخاصة جدا. 

" تابعت التنصت للقشور حتى الفصل الاخير منها.. 

من الصمت والحزن ذرفت ما يماثل دمي كي أذبح القشور 

بيقين القلب نسترد الوجه المتروك في العتمة " 

جئنا كي نبحث عن ذواتنا التي تحاول الطبيعة وأبناؤها حجبها بأوراق اليقين . 

ذواتنا المتروكة هناك، حيث الخروج إليها، خروج على العالم. 

الذات النافرة إقرار بنقص العالم. 

ولأن الإنسان كنوع لا ينمو كلّ أفراده في زمن واحد، ترتفع حدّة الجدل بين كون العالم
كاملا أم ناقصا، وغالبا ما تتبنّى المؤسسات الرسمية الشطر الأول، فالحكومات تهدف الى
الاستقرار، الى الطمأنينة، حتى ولو كان هذا الاختيار يجعلها أكثر التصاقا بجذورها
الحيوانية الأولى. 

وهو ما يجعل النافرين على هذا التصوّر منبوذين في عالم مغلف بأكياس إعلامية جوفاء تمتلك
شاشة السموات والأرض. 

الإنسان إبن الشك، بينما الدولة إبنة اليقين. 

الإنسان إبن القلق، بينما الدولة إبنة الطمأنينة. 

هكذا تقتل الدولة الإنسان. 

أتحدّث عن الدولة التي تجلس بكلّ ثقلها على صدور أبنائها، رغم إنني لم أجد بعد - على طول
التاريخ البشري - دولة تسعى خلف الشك ، بل ظل الشك جرثومة ينبغي التخلّص منه، وإلا فإنه
سيؤدي إلى إنهيار جسدها. 

الذات النافرة تلتصق بالشك، إن لم تتماهى معه. 

إنها الأرضة التي تنخر الهواء الذي يرفع السموات. 

" السكين وقشور البرتقالة ، رائحة تصيبني 

إشتبكت بمكنون البرتقال والأشياء المغلقة 

أنجزت  فصل القشور ، لم تنقطع عن بعضها القشور " 

هكذا تصاب الذات بعالمها الخاص، يفقد كلّ شيء فاعليته، أشكال بلا عمق، كما لو أن البحر
سطح فقط.                                           

" الأرض برتقالة زرقاء " هكذا صرخ أخي بول إيلوار، كانت السوريالية تمتدّ كموجة تغطي
البحر كلّه، كانت السوريالية كلمة، وفي داخل الكلمة نمى عالم كان قد بلغ شيخوخته على
أكتاف الحرب العالمية الأولى. 

الكلمة جعلت العالم بدائيا، بدى كلّ شيء ليس في مكانه تماما، كانت الدولة عاجزة في
لحظتها عن أن تقول شيئا، رغم كلّ جبروتها على الأرض، الدولة كمفهوم، والحكومات فقاعات
ملوّنة. 

  

  

كلمة تخرج من كلمة، أو على كلمة، هذا هو تأريخ العالم البشري. 

من التوراة انبثق الإنجيل، ومنهما انبثق القرآن. 

شخص ما ينطق الكلمة، ثم يتناسل ترديدها، حتى يولد اللسان النافر، معلنا ولادة كلمة أخرى،
بداية أخرى " في البدء كان الكلمة ". 

شخص ما هو الكلمة التي يقولها. 

تلتصق به، ويلتصق به أيضا المدمنون على ترديدها. 

هو مشروع إنسان، وهم تمرين في الوصول إليه. 

دائما، العالم يقيم في كلمة، الخرافة، الدين، العلم، اليقين، الاحتمال، الديالكتيك،
النسبية، كلمات كثيرة كانت مكانا لإقامة العالم، ولا تزال. 

ثمة كلمة تسيطّر على بيئة ما، بكلّ ما فيها من ناس وتضاريس، الكلمة تغلّف المكان والزمان
معا . تعلن نفسها بداية للعالم السابق أيضا! من هنا يمارس دعاة الثورة إعادة كتابة
التأريخ في كلّ مكان. 

الخروج على الكلمة، إعلان بإفلاس الذائقة العامة، هكذا يفقد العالم قدرته على الإدهاش،
يبدو كلّ شيء رثّا ثقيلا على العين، هنا ترتفع حدّة النفور عند الذات الخارجة، إلى درجة
أن تستنكف الأذن الكلام. 

"كنت طفلة، اخترقت سكين إصبعي، نفّر الدم .. كنت عنيدة، لم أسمح لأمي أن تقشّر لي
الحكاية!" 

انغلاق المسامات بداية انفلاق وتشظي، إنها الإنفطام من الوصايا. 

الإنفطام بداية كلمة. 

لكنه، قد يقود إلى صمت ثقيل. 

الذات هنا، وحدها التي تقرر، النطق أو الصمت. 

" يتكوّر القلق في يدي، أفتح بوابة التسكّع في تفاصيل البرتقالة: 

العالم مكتظ بالغرباء "  

هكذا تبدأ جاكلين سلام قعودها في خرم الإبرة. 

كلّ بداية غربة. 

ثم، 

تنحاز الريح لأجنحة الطير. 

التحليق الأول هو الفضاء. 

ثم، 

يبدأ التحليق في الفضاء. 

البداية تذكّر بالبدايات، هكذا تستحضر الروح الغريبة أرواح الغرباء، سواء، الذين على سطح
الأرض أم تحتها " أهجس أن غريبا، يرقب رسالة السكين والأصابع وحزوز البرتقالة ، صامتا
كإله منبوذ ! " 

الدخول إلى الكلمة غربة، لأنها إنفطام. 

من هنا " العالم مكتظ بالغرباء ". 

ولكن، لماذا البرتقالة؟ ما الذي جرّ جاكلين إلى إنتخابها؟ هل هو الشكل أم اللون؟ 

لا يمكن تجاهل خباثة اللغة في جرّ الناطق بها، غير أن النص هنا ليس ابن الإرتجال، ثمة
ذائقة تتشكّل دائما، تحاصر خالقها، حتى لا ترى العين غيرها، فيندلق النص على الحواس،
فالأوراق. 

" تكوّر القلق في يدي " لقد جاء الشكل قبل اللون، التكوّر قبل القلق، والتصاقهما مباشرة
خلق البرتقالة. 

اللغة والذائقة اتفقتا على إنتخاب الخرم الذي سيقيم فيه العالم. 

تكوّر القلق / ما أراه في يدي ، زاوية أخرى ل 

                   " على قلق كأن الريح تحتي "  

تنهض الغربة، ربما " لأن العالم فقد أسباب الدهشة " 

تجرّد من بدايته، طفولته، براءته. 

" إحتضنت البرتقالة في راحتي كجنين يتكوّر في رحم " 

فحيح شهوة البداية، 

لم يعد العالم الخرف ممكنا، 

خطوة في اتجاه القيامة، 

الذات لا تقنع إلا بأن تخلق العالم. 

شيء من العزف يطفو على الأصابع. 

محاولة في ارتجال العالم. 

الولادة إرتجال. 

شيء من القرف، ثم يندلق النص / العالم.  

ورود كثيرة تتدافع على نافذة التفتّح، 

" رائحة أحشائها تتجاوز أصابعي " 

ثم، 

تنحني النهايات كرها أو حبا، 

صراخ العطر يعلن انتماءه للخروج. 

ما الذي يجعل العالم حبلا يطوف حول العنق؟ 

هل العنق الحواس كلّها؟ 

هل الحواس العالم؟ 

كما لو أن الولادة خروج على العنق والحبل معا؟! 

أيّهما صالة رقص الآخر، العقل أم البرتقالة؟ 

ها هو العقل يدسّ العالم في برتقالة، 

كما لو أن العالم يرقص على مرمر الذائقة. 

البرتقالة تمتصّ العالم، 

كما لو أنه عصيرها. 

" لا يثير انتباهي أن لون داخلها كلون خارجها ، مع إنني أذكر حين كنّا نصلّي كنّا واحدا
يردد :- أبانا الذي في السموات ...أعطنا السلام كما في السماء كذلك على الأرض ..        
                                
ولكن القلوب كانت تتدحرج متباعدة وكأن الجحيم على مقربة ! "
دائما لا السماء تنزل، ولا الأرض ترتقي. 
كما لو أن الأرض بئر مهول العمق، 
السماء فمه، 
بينما المصعد عاطل ، 
ولا سلالم على الإطلاق. 

والآن، 

لم تعد السموات فوق، 

ولم تعد تحت أيضا. 
نحن لا نمشي، 
كلّ ما هنالك أن الأرض تتنقّل على الأقدام يمينا وشمالا. 
بينما رؤوسنا معلقة في الهواء. 
ما الذي جعل الآخرين بهذا الفزع؟ 
ولماذا يبدو – ما أراه - عصيّا على العيون؟ 
الجحيم في البقاء لا في الخروج، 
سيكون الدخول في البرتقالة خلاصا، 
لكنه أيضا، الباب الذي تندلق منه ريحنا على العالم. 

لهذا يغلقون الأبواب، الشوارع، والمدن. 

لهذا يتقنفذون. 

هل البرتقالة قنفذ أعز ؟ 

أكاد أقول أن البرتقالة في نص جاكلين كان ممكنا أن تكون قنفذا لو أن الجملة الأولى
تجاوزت " القلق " إلى " العالم " هكذا 

                         " يتكوّر العالم في يدي " 
جاكلين هنا تتحدّث عن عينها. 

لم تعد قادرة على استلام ما لا تراه الذات. 

إزاحة العين أنجبت إزاحة في الرمز، وبالتالي أنجبت إزاحة في الرؤيا ، وأعتقد أن فاعلية
النص تكمن في هذه الإزاحة، فلو أن جاكلين نظرت بعين العالم لذاتها لتقنفذت وتلاشت، لكنها
نظرت بعين ذاتها للعالم، فأصبحت في منطقة الإشراف على العالم من العالم، وهذا ما جعلها
تسعى إلى خلق العالم بضخ نقص فيه.                                            

فجأة عليّ أن أقول كلمة.                                                     
فجأة عليّ أن أكون.                                                    
 كينونتي ممحاة والعالم جمل مرصوفة.                     
"أعدت بناء برتقالة، من قشر البرتقالة ذاتها" 

كما لو أن حياتي تحقيق لمخطوطة إسمها العالم.                          
على أيّ وهم يتقاتلون؟ 
دم من في الكأس؟ 
الملائكة تراقب حرج الخالق ، هل يقوى على محو  " إني أعلم ما لا تعلمون " ؟ 
أنا الخطيئة من ارتكبني؟  
منذ متى وقشر البرتقالة يشبه لبها؟ 

منذ متى والسماء تعجز أن تواعد الأرض في حديقة عامة؟ 
ما الذي يختبئ وراء اصفرار دم البرتقالة؟ 
ولماذا تكوّرت ولم تستطيل؟ 
ما الذي يعنيه التدحرّج؟ محاولة في التغيّر مثلا؟ 
الكلّ يتكلم، هذا جيد. 
إلا أن الجميع بلا آذان! 
هل الجحيم بعيدة حقا؟ 
الرغبة نافرة والمكان خرم إبرة. 
الماوراء أمام الأفق، والأنفاق ثعابين، ندخل فيها الى جنّة هاربة. 

ما الذي جعل السماء بعيدة عن اليد؟ 

ولماذا يلفّني الدوار كلّما تذكرت نفسي؟ 

تطوف حولي صيحة أخي تزارا 

" بقيت غريبا عن كلّ شيء ، تركت خارج كلّ شيء " 

ها نحن نتذكّر السماء مرة أخرى، نطالبها بما لا نقوى عليه، فتسمع ولا تفعل، تماما كما هي
دائما ، منذ البداية الأولى. 
مسكين أخي أبيقور ذهبت صيحته سدى " لا تطلب من السماء ما لا تستطيع أن تفعله بنفسك " 
" أذكر حين كنّا " في الطبيعة قبل أن تولد الذات، " نصلّي " لغير ذواتنا "كنّا واحدا
يردد:- أبانا الذي في السّموات ...أعطنا السلام كما في السّماء كذلك على الأرض " إلا أن
السّماء لم تنتبه لما في البرتقالة من إعجاز " لون داخلها كلون خارجها " فظلّ سلام
السّماء عاجزا عن النزول إلى الأرض !                                                  
           

من هنا تحديدا إنبثقت الإقامة في عالم يقيم في برتقالة، عالم بلا أقنعة، كلّ شيء فيه
يعلن عن ذاته بدءا، ولا يردد ذوات الآخرين، إنه الخروج على ببغائية العالم. 

الجميل في النص، أن جاكلين سلام إعتبرت الوجه الواحد ضربا من التعرّي، فأن نكون ذواتنا،
يعني أن نكون عراة، بلا أقنعة. 

وعنوان النص "برتقالة عارية" ليس إلا إشارة لهذه الوحدة بين لون الداخل والخارج. 

--- 
جمال الحلاق: شاعر عراقي يقيم في الاردن
* نشر في مجلة" تايكي" الثقافية النسوية في الأردن.