|
عن أسرة التحرير: أكرم أنطاكي وديمتري أفييرينوس
حوار: جاكلين سلام
عام 2002
مجلة معابر مجلة فصلية إلكترونية تصدر في سوريا (http://www.maaber.com أو
http://maaber.50megs.com/index.htm)، وتختلف بامتياز عن غيرها من المجلات والمواقع
الإلكترونية.
تتميز مواضيعها بالسعي الحثيث في إدراك كنه الإنسان والوجود من خلال أبوابها: أسطورة،
منقولات روحية، إيكولوجيا عميقة، قيم خالدة، علم نفس الأعماق، اللاعنف والمقاومة، أدب،
بالإضافة إلى الفن ومراجعات الكتب، إلخ.
***
• جاكلين: كيف تسنى لكم رصد هذه الأبواب وتقديمها للقارئ عبر مجلة إلكترونية – وما
أحوجنا لمثل هذه المنابر!
**معابر: لنقل أولاًً – وهذه كانت نقطة البدء والمنطلق – إن معابر هي وليدة شعور عميق
بحالة مأزقية متفاقمة وصلت إليها البشرية اليوم، نحن جزء منها، في مستهل القرن الواحد
والعشرين – تلك الأزمة التي تطال كل مناحي الحياة بلا استثناء. حيث لا يمكن اليوم الكلام
على أزمة سياسة أو اقتصاد أو ثقافة بدون فهم الأزمة الروحية والوجودية العميقة التي
يعاني منها الإنسان المعاصر، أزمة الاغتراب عن عالم لم يعد يُنظَر إليه كمهاد للإنسان،
بل كحلبة صراع. وهذا، من باب التأمل، يعيدنا إلى ماضٍ يبدو اليوم سحيقاً...
حين كان ينظر إلى الإنسان، من حيث وجوده الجوهري، ككيان واحد، فاعل في وجوده العَرَضي من
خلال أبعاد متعددة، يختص بكل منها منهج من مناهج المعرفة. فكانت تلك الأبعاد متواشجة
عضوياً بحيث إن كل خلل في بعد من الأبعاد ينعكس عليها جميعاً. وكانت هذه هي علَّة ارتباط
كافة العلوم ومناهج المعرفة في العالم القديم بعضها ببعض، من حيث إنها كانت تزاوَل
جميعاً على خلفية الوحدة الجوهرية للكيان الإنساني، المرتبط ارتباطاً عضوياً بالكون
والوجود. وكان هذا ما جعل "العالِم" القديم – وابن سينا، الفيلسوف والطبيب والفلكي
والشاعر إلخ، مثال جيد على ما نرمي إليه – يحاول أن يحيط بكافة علوم عصره ومعارفه، بدون
أن يختص بعلم واحد حصراً.
ونتفكر في أن هذه النظرة "الكلانية" إلى الإنسان والعالم والكون (ثالوث الإنسان والأرض
والسماء في الفلسفة الطاوية الصينية، على سبيل المثال لا الحصر)، التي تربط معرفة
الإنسان بمنظومة أخلاقية كونية، هي التي كانت تعين الإنسان على إيجاد موقعه وتوازنه في
عالم متحرك، وتؤمن له الصحة البدنية والعقلية، وتشكل الأرضية النظرية للتحقق الروحي
الفعلي الذي هو قَدَرُه الحقيقي. بهذا المعنى كانت الكوسمولوجيا القديمة التي تضع الأرض
في مركز الكون تؤوَّل فلسفياً بإيلاء الإنسان – الذي كان يُعتبَر كوناً مصغراً تتمثل فيه
أبعاد الوجود كافة – مكانة روحية رفيعة متأتية من كونه الكائن المؤتمن على المعرفة،
المعرفة الوجودية الكلية التي ينتفي معنى الوجود بدونها. آنذاك كان الإنسان إنساناً
بمقدار ما يحقق ذلك الدور الكوني المنوط به. ذلكم هو الأنموذج البروميثي، حيث المعرفة
وظيفة وجودية تجد تحقُّقها في سبر سرِّ العالم.
جاكلين: بعض الدراسات التي نشرت، تجمع ما بين الوعي والعلم والمادة في وشائج متداخلة، هل
هذا يشكل معبرا نحو ثقافة مختلفة تسعى الى توازن لم تستطع العلوم والنظريات التي كانت
سائدة ، تحقيقه؟
معابر: هذا التوازن بدأ بالاختلال مع الثورة الكوبرنيكية بحلول الكوسمولوجيا الجديدة
التي، وإن نزعت عن الأرض مركزيَّتها، فقد أحلَّت محل الكوسمولوجيا السابقة مركزيةً من
نوع جديد هي المركزية البشرية التي كرَّست الإنسان محوراً للعالم، وكرست العقل الفردي
سيداً عليه، وأطلقت يد الإنسان يحوِّل وجه الأرض بما يخدم سيطرته على مقدَّراتها. لقد
كان المأمول أن تحرر هذه الكوسمولوجيا الجديدة عقل الإنسان من سيطرة المرجعية الدينية
المتحجرة آنذاك، وتعيد إليه كرامته ومبادرته المعرفية الحرة. لكن الذي حصل في الواقع هو
أن هذه الكوسمولوجيا الجديدة، التي تزامن ظهورها مع اكتشاف العالم الجديد، بكل ما انطوى
عليه هذا الاكتشاف من كمونات اقتصادية، جُيِّرَت بترجمتها إلى قيم "سياسية" – بمعنى أن
منظومة الأخلاق الكونية في الأنموذج السابق اختُزِلَت إلى منظومة جديدة قائمة على قيم
الأنانية والنزاع والسيطرة والاستغلال. ذلكم هو الأنموذج الفاوستي، الذي يحكم فيه
المعرفةَ منطقُ القوة والسيادة. وهذا، بدوره، أدى إلى تجزئة المعرفة إلى قطاعات كتيمة،
يقوم على كل منها اختصاصيون. ومع تقدم العلم وتطبيقاته، تفرعت الاختصاصات بحيث صار
الاختصاصي يعرف تفاصيل أكثر فأكثر عن أشياء أقل فأقل. وهكذا، حتى على مستوى السلطة
السياسية، بات "الخبير" الاختصاصي هو المرجعية الاستشارية، بعد أن كان "الحكيم" الذي يلم
بأطراف المعرفة كلها هو الذي يؤدي هذا الدور.
الأزمة، إذن، ناجمة عن أنموذج إرشادي، فكري ونفسي، ساد على التيار "الرسمي" للثقافة
الإنسانية بضع مئات من السنين، فتسبب في هذه الأزمة التي تطال الجميع، بهذا الشكل أو
ذاك، إلى هذا الحدِّ أو ذاك. ويقوم هذا الأنموذج على عدد من المفاهيم والقيم السائدة
التي من أهمِّها اختزال الكون إلى منظومة ميكانيكية مكوَّنة من لبنات بناء أولية؛ والنظر
إلى الأجسام الحيَّة كآلات؛ واعتبار العلم الوضعي التحليلي التخصصي الطريق الأوحد إلى
المعرفة، واعتبار كل ما عداه من خبرات ثقافية وروحية من قبيل الترف الفكري؛ والنظر إلى
الحياة في المجتمع كصراع تنافسي من أجل البقاء؛ والمراهنة بكل شيء على التقدم المادي غير
المحدود الواجب إحرازه عبر النمو الاقتصادي والتكنولوجي. فتولَّد، كردَّة فعل، ذلك
العالم السَّلَفي الذي يبدو وكأنه، في المآل، من خلال نفيه لكل علم وتخصص وتقدم، يُرجِع
كل شيء إلى إرادة تسمَّى بالسامية ويعتقد، في جملة ما يعتقد، أن مجتمعاً يضع الأنثى في
منزلة دون منزلة الذكر هو مجتمع يمتثل لقانون إلهي وطبيعي.
جاكلين: يتم التركيز على كلانية وشمولية في الوعي والمعرفة، وفي الوقت ذاته نجد ان
المجتمع والمؤسسات والمشاريع قائمة على تقسيم في العمل والتخصص، كيف تقترحون معبرا يؤسس
للتوازن الذي تتوخون الخلوص إليه؟
معابر: إن الأزمة الراهنة ناجمة عن كون غالبيتنا الساحقة – وخصوصاً مؤسَّساتنا
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية – ما تزال تقرُّ وتعمل بمفاهيم وقيم أنموذج قديم لم
يعد قطعاً يصلح للتعامل مع قضايا عالمنا المكتظ سكانياً والعالمي الترابط والكلِّي
التشابك. لقد أمسى اتخاذ القرار في المؤسَّسات المذكورة عملية منطقية محض خطِّية، خاضعة،
في أغلب الأحيان، لاعتبارات المنفعة الاقتصادية القريبة المدى ولمتطلبات الاستهلاك
الآنية. لم تعد القيم الإنسانية اعتباراً يؤخذ بالحسبان كمقياس لصواب التفكير والعمل،
وكشرط لازم وكافٍ لتحقيق إنسانيتنا، ولم تعد طرفاً في المعادلة إلا بمقدار ما يتم
توظيفها توظيفاً مشوَّهاً – ومشوِّهاً – يخدم مآرب فئة متنفِّذة همُّها المزيد من الربح
والسيطرة. إننا، في تحليلنا للأمور، بتنا قلما نأخذ ديناميَّة الحياة بعين الاعتبار،
ضاربين كشحاً عن قدرتها المتجددة على الانتظام والتوازن الذاتيين، إنْ على صعيد الطبيعة
النازفة، أو على صعيد الإنسان المختل التوازن، فرداً وجماعة. فلا عجب أننا نعيش اليوم في
مجتمع تسوده الفوضى والهلع واللامبالاة وانعدام المسؤولية. ومن هنا صار توحيد المعرفة
الإنسانية إلزاماً يتاخم الضرورة القدرية.
لقد بلغ الإنسان المعاصر من تطوره الفردي والاجتماعي شوطاً يقتضينا أن ننمي فينا نظرة
منظومية أوسع نستطيع من خلالها أن نبصر الكل حتى نفهم الأجزاء. فالخطوة الأولى في
التخفيف من حدة الأزمة هي الإقرار بأن الانقلاب الثقافي العميق المطلوب تحقيقه للتغلب
عليها قد أضحى واجباً وأضحى ضرورة.
ونلاحظ، ثانياً، أن باحثين على التخوم المتقدمة للعلم، وشبكات معرفية بديلة، وحركات
اجتماعية متنوعة، بدؤوا يستلهمون تلك النظرة الكلانية القديمة، بتطوير رؤية جديدة للواقع
ستصبح قاعدة للعمل الإنساني في سبيل التحول التدريجي نحو أنموذج جديد، ينطوي على مفاهيم
وقيم جديدة.
وهذا الانقلاب هو ثمرة خبرة روحية عميقة تُترجَم عملياً إلى نقلة نوعية في الوعي وفي
النظرة إلى العالم: نقلة من رؤية آلتية للواقع، محدودة الأفق، إلى رؤية كلانية
وإيكولوجية الآفاق، تبيَّن أن المفاهيم والقيم التي تتبناها هي عينها المفاهيم والقيم
التي توصلت إليها الحكمة الإنسانية المعبِّرة عن النضج النفسي والروحي للإنسان العاقل
فيما يتعدى الزمان والمكان.
تتلخص هذه المفاهيم في التحول عن العقلانية المفرطة إلى الحدس والكشف، عن التحليل إلى
التركيب، عن الاختزال إلى التكامل، عن التفكير الخطِّي إلى التفكير "اللولبي"، عن
الإمعان في التخصص إلى العبرمناهجية، وعن مراكمة المعلومات إلى المعرفة كوظيفة وجودية
(ليس القصد استبدال مفهوم جديد بمفهوم قديم، بقدر ما هو التحول عن التشديد المفرط على
أحد المفهومين إلى توازن أعظم بينهما).
أما على صعيد القيم، فهناك تحول ملحوظ عن التوسع والاستغلال إلى الصيانة والتكافل، عن
الكم إلى النوع، عن الفردية المنتفخة واللامبالاة غير المسؤولة إلى الغيرية السمحاء
والمسؤولية الواعية، عن الصراع والتنافس والاستئثار إلى التعاون والمشاركة والإيثار، وعن
التعالي على الآخر والسيطرة عليه إلى احترام الآخر باحترام حقه المطلق في الحياة والحرية
والتفتح على إيقاعه الخاص، عن فرض النمط الثقافي الواحد إلى الاغتناء بالتنوع كشرط لا
بدَّ منه للتطور، عن الجمود الفكري والتعصب والظلامية إلى الديناميَّة الفكرية وانفتاح
القلب والوعي الكوني. وبالتالي...
فلنقل، ثالثاً وآخراً، أن معابر هي محاولة – مجرد محاولة – لمواكبة هذه الثقافة
الإنسانية الصاعدة، في جوهرها، من خلال إيجاد "معابر عربية" بين مختلف مناهج المعرفة
الإنسانية، وصولاً إلى معرفة كلانية، عبرمناهجية، تتعدى هذه المناهج (من فلسفة وعلم
وميثولوجيا وفن إلخ) وتشملها جميعاً. وهي، بالتالي، من هذا المنظور، تُعتبَر إسهام
القائمين عليها والمشاركين فيها في فتح آفاق جديدة لوعي المثقف العربي، عله يبدأ بالتغلب
على عطالته النفسية والفكرية، أسوة برفاق له عديدين في كل مكان من العالم، فيدخل الألفية
الثالثة بمعرفة (وجودية) أرسخ، وثقة أكبر، ويدلي بدلوه في تيار الوعي الجديد المنبثق من
ظلمة عالم قديم بدأ بالأفول.
من هذا المنظور يجب قراءة أبواب المجلة المتنوعة التي تصب جميعاً في هذه النظرة الكلانية
والعبرمناهجية.
• جاكلين: هل لكم تقديم نبذة تعريفية بهيئة تحرير المجلة وكيف يجري تنسيق العمل؟
**معابر: ما نسميها "أسرة تحرير" معابر مؤلفة من لفيف من الأصدقاء، من مختلف الاختصاصات
والمشارب، يقيمون في أماكن عدة من العالم ويشتركون في هذه الرؤية ويحاولون، كلٌّ
بخصوصيَّته، أن يعيشوها في قلب العالم. أسماء الأشخاص ليست هي الأساس، وأسرة التحرير
تغتني بمشاركة كل من يود الانضمام إليها، شريطة أن يشترك في رؤيتها وأن يساهم في العمل
بقدر ما يستطيع من جهد. فالمهم في نظرنا هو المشاركة.
أعضاء أسرة التحرير الحاليين أبعد ما يكونون عن "احتراف الفكر" والتفرغ؛ إنهم مجرد أناس
عاديين، يتحملون مسؤوليات مهنية وأسرية ويعانون هموماً يومية تحدُّ من إمكانيات تطوير
العمل والارتقاء به إلى مستوى احترافي لائق.
لهذا السبب فإن العمل الفعلي، من تنضيد وترجمة وتحرير النصوص ومراجعتها، وبخاصة العمل
التقني في إعداد الموقع (الذي يتطلب دراية خاصة وصبراً هائلاً)، مازال حالياً يقع على
عاتق ثلة صغيرة جداً، بينما لا يتعدى جهد الأعضاء الآخرين اقتراح المواد واستكتاب
المساهمين والتداول حول جودة مواد معينة وحول "سياسة" المجلة عموماً، بالإضافة إلى
الكتابة طبعاً. و مع أن البريد الإلكتروني يوفر إمكانية هائلة لاختصار الوقت والجهد،
لكننا يجب أن نعترف أن استمرار المجلة في هذه الظروف أمر صعب للغاية ويتطلب الكثير من
التضحية بالوقت وبالمال.
نحتاج، إذن، إلى مترجمين محترفين من الإنكليزية والفرنسية وبالعكس (يقوم بالترجمة حالياً
ثلاثة فقط)، وإلى أشخاص ذوي خبرة في تحرير النصوص (الذي نوليه عناية فائقة بالقياس إلى
المواقع العربية الأخرى على الشبكة)، وآخرين ذوي كفاءة في الأمور التقنية الخاصة
بالإنترنت (لتخفيف العبء عن شخص يقوم بمفرده بهذا الأمر)، بالإضافة إلى كل ما ذكرنا
سابقاً.
* جاكلين: كثيراً ما يتردد القول، عبر صفحات ثقافية عربية، أن هناك أزمة قارئـ(ـة). هل
تعتقدون أنها أزمة قارئ نوعي، أم أزمة ماذا يقدَّم لهذا القارئ المتخبِّط في عصر عولمة
الاقتصاد والثقافة، في عصر يحكمه منطق القوة والسلطة، بكل أشكالها؟ وأعتقد أن لـمعابر
روادها من القراء والمحتفين بفرادتها.
** معابر: إن غالبية ما يُنشَر من أبحاث في الدوريات الثقافية العربية، بكل أسف، يندرج
تحت أحد بابين: فإما أن يكون تكرارياً، يجتر أفكاراً مفرغة من مضمونها، وكثيراً ما يكون
موظفاً لتكريس خطاب إيديولوجي يروِّج لسلطة معينة، سياسية أو دينية؛ وإما أن يكون مغرقاً
في الأكاديمية، بحيث تظل قراءته مستعصية على من لا يمتلك طاقم المصطلحات الاختصاصية، أو
هاجسه مجرد التماسك المنطقي واللغوي، أو الفرادة في الطرح (التي يمكن أن تلتبس بالإبداع
الحقيقي)، بصرف النظر عن الخبرة الحية التي هي جوهر الإبداع.
خبرتنا دلَّتنا على أن هناك قارئ متعطش إلى خطاب "مختلف"، يخاطب في الإنسان أبعاده كلها،
ولا يختزل وجوده إلى بعد واحد، سياسي أو اقتصادي أو غريزي، أو حتى "ثقافي" (بالمعنى
المبتذل). ولو لم نكن على يقين أن التوجُّه الفكري الإنساني الذي جعلنا من معابر منبراً
له يعبِّر عن حاجة فكرية وروحية مغروسة عميقاً في النفس البشرية، بمعزل عن كل
الإيديولوجيات السائدة، وبأن هذا التوجُّه سيجد صدى لدى بعض القراء العرب، لما كان
لعملنا المتواضع من قيمة أصلاً.
إن استمرارنا مرهون بوجود قراء يعتمل في نفوسهم توق إلى الأنبل والأجمل والأعمق، ويشعرون
بأن للوجود الإنساني غايات تتعدى مجرد الاستهلاك – استهلاك الأشياء والبشر والأفكار –
إلى اكتشاف "المعنى" المكنون في الإنسان وتحقيقه.
فيما يتعلق بالعولمة، لا نعتقد أنها تتعارض، بحدِّ ذاتها، مع تحقيق الإنسان لإنسانيته،
وهي لا تلغي أية خصوصية ثقافية بما هي كذلك. إنها صيرورة تاريخية حتمية ناتجة عن الثورة
المعلوماتية، مثلما أن العلم الحديث نتج عن الثورة الكوبرنيكية–النيوتنية. وهي، بهذه
المثابة، ليست "فكرة" أو "عقيدة" قابلة للقبول أو الرفض أو الدحض، بل تيار عالمي جارف
لكل ما هو متحجر، وبتعبير آخر، لكل ما هو غير أصيل وخلاق ولا جذور عميقة له. المهم هو
مدى مشاركتنا فيها بإبداع معرفي جديد؛ ونأمل أن ترتقي معابر إلى مثل هذا الإبداع.
• جاكلين: كل إصدار ثقافي إبداعي مستقل تعترضُه صعوبات شتى. وقد تمكنتم حتى الآن من
إصدار العدد التاسع من المجلة. إلى أين يا ترى تمتد أحلامكم؟ وهل من مأزق حقيقي يعترض
عملكم أو طروحاتكم، وخاصة أن هناك – كما وجدتُ – مواضيع حساسة وجريئة يجري تناولها
بتحليل "مختلف" في هذه المرحلة المتوترة التي يمر بها الشرق الأوسط تحديداً والعالم
عموماً؟
**معابر: إذا كنت تقصدين بكلمة "حلم" ذلك التوق إلى بناء إنسان حرٍّ، واعٍ، محقق
لإنسانيته في مجتمع أكثر عدالة وإنسانية، فنحن "حالمون" من غير شك! لكننا، بالمعنى
العملي، "واقعيون" جداً. فنحن نعرف حدود إمكاناتنا وهامش الحرية الفكرية المتاح لنا،
ونحاول قدر الإمكان التقيد بهذه الحدود، والاستفادة قدر المستطاع من الهامش المتاح. ليست
لدينا أوهام بهذا الخصوص، و"المصاعب" التي نواجهها ناجمة عن محدودية إمكاناتنا المادية
والبشرية. مثلاً، لم يسمح لنا الوقت حتى الآن بإصدار الملفات الخاصة التي كنَّا خططنا
لإصدارها بالتوازي مع الإصدارات الفصلية؛ كما لم نشرع بعد في مشروع "مكتبة" معابر التي
ستضم في الحد الأدنى الكتب التي تتساوق مع منحى المجلة، وننشر مراجعات عنها ضمن باب "كتب
وقراءات". هذا ناهيك عن التأخير بضعة أيام في صدور العدد الجديد – وهو، بنظرنا، إخلال
بالتزامنا أمام القراء.
أما بخصوص تقبُّل "طروحاتنا" فلعلك تلمحين إلى باب "اللاعنف والمقاومة" الذي اندرج في
أبواب المجلة مع الاجتياح الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية بعيد قمة بيروت. في الواقع
ليست الدعوة إلى اللاعنف خطاً جديداً طارئاً على معابر، بدأ مع الإصدار السابع، بل خط
التزمتْ به المجلة منذ البداية، حرصاً من أسرة التحرير على نشر نصوص (كلاسية وظرفية)
تعرِّف بالمقاومة اللاعنفية، روحيَّتِها وفلسفتها وأساليبِها، عموماً، مع تقصِّي إمكانية
تطبيقها في حالة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، خصوصاً، بعد أن تبين فشل الوسائل العسكرية
والسياسية في إيجاد مخرج من أي نوع. وما إيجاد هذا الباب، في ظلِّ الأجواء المأساوية
السائدة في الأراضي المحتلة، غير قرار من أسرة التحرير بتسجيل موقف قاطع، ينأى عن مجاراة
الخطاب الإعلامي السائد الذي يزيد الناس إما هياجاً وإما كرهاً وإما يأساً، وفي كل
الأحوال، يعميهم عن فهم ما يجري، ويحول بينهم وبين فتح أفق للمستقبل.
لقد حرض فتح هذا الباب تساؤلات لدى عدد من القراء، وأثار نقاشاً حامياً، حتى ضمن أسرة
التحرير نفسها. لكننا نعتبر أن مثل هذا الحوار ظاهرة صحية، ومن شأنه أن يبلور أفكاراً
ورؤى جديدة فيما إذا سادَهُ احترامُ التعددية والاختلاف وإعلاء الحقيقة فوق الرأي
الشخصي. أما أساليب المنع والقدح والاتهام، وحتى "التخوين"، في التعامل مع الأفكار، فهي،
للأسف، لا تعبِّر عن نضج فكري ونفسي كبير لدى محترفيها!
• جاكلين: في معرض حديثكم عبر صفحات الموقع عن "لماذا معابر؟" تشيرون إلى أن "معابر
وليدة حاجة قديمة، عميقة لدى فريقها الحالي، إلى التواصل مع الآخر، المختلف
بالضرورة...". إلى أي حد تجدون أن لهذا "الآخر"، سواء كصاحب رأي أو كتجمع ثقافي فكري،
مازالت له كوة تمكِّنه من أن يكون، وبطريقته؟
** معابر: إذا قبلنا بأن الإنسان لا ينفصل في الجوهر عن أي شيء في هذا العالم، فإن
"الآخر" – أي آخر – ليس منفصلاً عن الذات، بل هو مكوِّن أساسي من مكوناتها، لا تنضج ولا
تكتمل إلا به. قانون وجودنا على الأرض هو قانون الوحدة في التنوع: جوهر واحد في مظاهر
وخصوصيات وألوان لانهائية!
من هنا لا نميل في معابر إلى مفردات من نحو "التسامح" و"التعايش"، لأنها تنطوي على
الكثير من الاستعلاء، وكأن الآخر "شر لا بدَّ منه"! الآخر، مرة أخرى، هو الذات في صورة
أخرى وخصوصية مختلفة وتلوين متميز، وقبوله لأنه مختلف – وليس "التسامح" معه – ركن أساسي
في مناقبيَّتنا. ومن هنا نحاول أن نجعل من معابر فضاءً مفتوحاً للجميع، ممَّن يشاركوننا
الرؤيا، وليس الأفكار أو المعتقدات، في زمن يرفض فيه أغلب الناس كل ما هو مختلف عنهم، لا
بل يشعرون بأنه يشكل تهديداً لوجودهم.
ولذلك قلنا في جوابنا على أحد "الأسئلة المتكررة": "موقع معابر مفتوح لمشاركات الجميع
دون أي اعتبار مبدئياً للانتماء الفكري أو الطائفي أو القومي أو للجنس، على ألا تعكس هذه
المشاركات، ظاهراً وباطناً، أي لون من ألوان الانغلاق الفكري، أو التعصُّب المذهبي أو
العقائدي، أو الشوفينية، أو العنصرية، بمختلف تعبيراتها. فمهما يكن مقترَب مَنْ يودُّ
الكتابة للمجلة يشترط فيما يكتبه أن يعبِّر عن توجُّه إنساني أصيل، ينأى عن كل ما سبق،
ويتصف بحدٍّ أدنى من العمق والتماسك والجدية في التناول...".
• جاكلين: الهيئة الاستشارية للمجلة تتضمن أسماء كبيرة ومعروفة في مجال البحث الفكري
والأدب والأسطورة، نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر: فراس السواح، أدونيس، ندره
اليازجي، إلخ. إلى أي مدى يتم تفاعلهم الحقيقي للبتِّ في نهج المجلة والمشاركات المنشورة
عبر معابر؟
** الأساتذة الذين ذكرتيهم وغيرهم من مستشاري المجلة يشتركون أصلاً في الرؤية المؤسِّسة
لها ويساهمون فيها بنصوصهم. وبعضهم، مثل فراس السواح (أسطورة) ويوسف اليوسف (أدب)
وبَسَراب نيكولسكو (إبستمولوجيا) وخصوصاً ندره اليازجي (كل ما سبق)، على اطلاع مستمر على
ما يُنشَر، ويُستشارون في جودة بعض النصوص الواقعة في حقل اختصاصهم، ويبدون رأيهم في نهج
المجلة، ناهيك عن دعمهم المعنوي والروحي.
المشكلة هي أن معظم هؤلاء – باستثناء بَسَراب نيكولسكو ومصطفى المرابط – من جيل لم يدنُ
من مجال التكنولوجيا المعلوماتية، وبالتالي لا بدَّ من اللقاء الشخصي بهم من أجل
"استشارتهم" – وهو أمر ليس متاحاً دائماً بسبب بعد المسافات، ولا يتوافق مع روحية النشر
على الشبكة (نخص بالذكر أدونيس الذي لا نلتقي به إلا مرة واحدة في السنة نظراً لسفره
المستمر). وهذه من المصاعب التي تواجهنا، لكن ما باليد حيلة.
• جاكلين: "معابرنا" منتدى المجلة، هل تجدونه فاعلاً ومنطلَقاً لحوار ديمقراطي جاد؟
**معابر: أنشئ معابرنا لكي يكون منبراً حراً يلتقي فيه محرِّرو المجلة وكتَّابها
وقرَّاؤها ليتحاوروا في الموضوعات المنشورة فيها أو في موضوعات موازية، مستفسرين،
مستوضحين، معلِّقين، ناقدين، متخالفين، مستكشفين – معاً –، لعل هذا اللقاء يتمخض عن
أفكار أو اكتشافات أو لمحات تتخطاهم جميعاً كأفراد، وتتعدى الاتفاق الفكري أو العقائدي
العقيم.
يلتزم أعضاء المجموعة، المفتوحة هي الأخرى للجميع، بالشروط عينها التي يجب على الكتَّاب
للمجلة أن يلتزموا بها، من انفتاح وأريحية ودافع حقيقي إلى المعرفة – هذا نظرياً. أما
عندما حاولنا أن نعيش هذا عملياً، هبَّ كل منَّا أن يطرح ما عنده وحسب، منطلقاً من
خلفيَّته الفكرية ومعتقداته – وهذا بالتأكيد ليس حواراً! لقد تبيَّن لنا أن الحوار
فعالية إنسانية شديدة الصعوبة، تقتضي من المرء أن يتخلَّى عن أفكاره ومسلَّماته الشخصية
مؤقتاً – وبشكل كامل – وينزل ضيفاً على مُحاوره، ويسمح لنفسه بأن يُخترَق من خلال فعل
إصغاء كامل يتجاوز الحساسيات والأفكار المسبقة.
الحوار يتطلب من المرء تربية للذات على أسس جديدة مختلفة بالكلية؛ إذ هو ليس مشروعاً
للاتفاق المسبق يسوده النفاق والمحاباة والتصفيق المتبادل. ولا ديموقراطية بغير هذه
التربية. الحوار يتطلب استعداداً حقيقياً للتعلم الدائم. هذا ما أدركناه، وما سنحاول
تطبيقه من الآن فصاعداً.
* جاكلين: أترك لكم مساحة لكلمة حرة تريدون إيصالها للآخر، كمتتبِّع أو مساهم في الحركة
الثقافية العربية.
**معابر: معابر مشروع ثقافي جاد، يتلمس طريقه وسط الفوضى الفكرية والنفسية الحالية
السائدة في العالم العربي وفي العالم إجمالاً. ولا نظننا نبالغ إذا قلنا إنه ربما كان من
إرهاصات ثقافة جديدة في العالم العربي، ثقافة تقوم على النسق المؤسِّس لكافة مناهج
المعرفة الإنسانية – تلك المعرفة التي تتخلَّل هذه المناهج وتتخطاها في آن معاً –، ثقافة
لا تشكل قطيعة مع الذرى الإبداعية التي بلغتها الثقافة الإنسانية عبر تاريخها، وعلى
اختلاف الحضارات التي أنتجتها، بل قطيعة مع كل تحجُّر وجمود وظلامية. وهذا المشروع الذي
بدأ حلماً، حتى يستمر، ينبغي أن يستنهض همَّة المهتمين به و"نخوتهم".
لم يقع محرِّرو المجلة، حتى الآن، على أية جهة "مشبوهة" تموِّلها! إنما بعيداً عن
التهكُّم، وانطلاقاً من إصرار أصدقاء معابر، بما لا يقبل المساومة، على حرية مجلتهم
واستقلاليتها الفكرية عن أية إيديولوجيا من أي نوع، وعلى رفضهم، من حيث المبدأ، لأي تدخل
خارجي في توجُّهها الإنساني الذي هو علَّة وجودها أصلاً، فهم لا يخشون من الترحيب بأية
معونة خارجية غير مشروطة، سواء من برامج التنمية الثقافية التابعة للجامعة العربية، أو
من منظمات الأمم المتحدة، أو من بعض المنظمات غير الحكومية المعروفة، إلخ. كما أن هناك
أيضاً محاولة جادة لإصدار المجلة على الورق نرجو أن تثمر عن شيء.
أخيراً، نودُّ أن نشكرك، جاكلين، على اهتمامك الحقيقي بإيصال صوتنا إلى أصدقاء جدد.
http://www.maaber.com
* نشر في صحيفة الزمان اللندنية عام 2002 .
|