أحفاد جبران/الكتابة الورطة/حوار نوري الجراح للمشاهد السياسي
  


لو عاد جبران وأعضاء رابطته إلى يومنا هذا لما شعروا بالفخر بأحفادهم!
الشاعرة السورية جاكلين سلام من مهجرها الكندي لـ«المشاهد السياسي»:

للاطلاع على الرابط مع صور الشاعرة في محيطها
http://www.almushahidassiyasi.com/ar/9/3189/ 

 الناقد العربي قارئ صامت وفي أحسن الأحوال يبدي إعجابه في رسائل شخصيّة! 
 
تورنتو ـ «المشاهد السياسي»

 حوار أجراه الشاعر السوري نوري الجراح

جاكلين سلام الإسم الأدبي للشاعرة جاكلين حنا، المقيمة في تورنتو كندا، والمولودة في
مدينة المالكية في أقصى الشمال السوري سنة ١٩٦٤. وإلى الشعر،
تكتب القصة، والمراجعات النقدية لكتب صادرة بالإنكليزية والعربية، وتترجم نصوصاً من
الإنكليزية إلى العربية من الأدب الكندي، الهنود الحمر، الأفارقة الكنديين. 

صدر لها: «كريستال»، مجموعة شعرية عن دار الكنوز الأدبية، بيروت
٢٠٠٢، «رقص مشتبه به»، مجموعة شعرية عن مؤسسة «جذور» الثقافية،
توزيع الدار العربية للعلوم، بيروت تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٥،
ولها قيد الطبع: «المحبرة أنثى» نصوص نثرية، وكتاب في أدب الرحلة ما بين الذاتي
والمتخيّل.

عضو في رابطة قلم كندا/PEN Canada ـ من أجل حرية التعبير، ٢٠٠٦،
وفي جمعية شعراء أونتاريو (كندا) Ontario Poetry Society، ٢٠٠٦،
وعضو مؤسّس لمؤسّسة «جذور» الثقافية في أميركا وكندا ـ ٢٠٠٥،
للابداع المهجري العربي والترجمة، لخلق جسر ثقافي بين الحضارة العربية والقارئ الغربي.
محررة في موقع جذور، وعضو الاتحاد العالمي للمؤلّفين باللغة العربية – فرع كندا
٢٠٠٤، وعضو مؤسس بحلقة «إنترتواين/تضافر» للابداع الكندي ـ
الشرق أوسطي ٢٠٠٦. أشرفت وساهمت في مناسبات ثقافية: شعرية،
قصصية، فكرية واجتماعية تعكس صورة المرأة العربية والفكر والأدب العربي العريق (تنسيق
معارض، ونقاشات في كندا...). 

قرأت قصائدها في مهرجانات عالمية شعرية للأدب المهجري المعاصر:
السويد(٢٠٠١ أميركا (٢٠٠٥ الأردن
(٢٠٠٦، وتُرجمت بعض قصائدها إلى اللغات السويدية، الإنكليزية
والفرنسية.

«المشاهد السياسي» التقت الشاعرة جاكلين سلام في هذا الحوار المعمّق والصريح حول تجربتها
الشعرية والأدبية، وحياتها في المهجر الكندي.

سألت الشاعرة جاكلين سلام:

 

> حدّثينا عن فهمك للشعر.. ما الذي تعنيه لك الكتابة الشعرية.. في عالم يزداد مادية،
ويتخلّى يوماً بعد آخر عن الحلم والشفافية والتلقائية؟

< الشعر محاولة مرهفة لصياغة الجمال في كلمات وأبعاد مغايرة للمألوف، وملامسة خيوط
الشبكة الروحية والنفسية في الاطار الشخصي والعام. حاولتُ على مدى سنوات أن أكتب جملاً
وتعريفات تخص مفهوم الشعر، فوجدتني في كل مرة أعطي الشعر قيمة وزاوية مختلفة ومفردات قد
تتقاطع ولا تتشابه. ويبقى الشعر عصيّاً على الاحالة إلى تعريف وقيمة إصطلاحية ثابتة.
أفهمه اليوم بالاغتراب عن العالم والتوق إلى معرفته. وجدتني أكتب الشعر كي أبقى قريبة من
حلمي الذي يخشخش ويقرقع ويهيم في خراب هذا العالم. القصيدة صديقة النقصان، والدليل إلى
ما يغني وما يفيض عن حلمي الباذخ والمتعثر.

 

السفر إلى الداخل

> ماذا يعني لك أن تكتبي شعراً بالعربية في فضاء لغوي وثقافي مختلف.. هل هو من باب
ترجمة التعبير الذاتي عن نوستالجيا ما نحو عالم أول؟

< كتابة الشعر أيضاً محاولة للالتصاق بالداخل ونبش ما خفي بين طيّات الذات العصيّة. هذه
الملامسة عبر الكلمات تقتضي علاقة وثيقة وعميقة مع اللغة تتعدّى الأبجدية والمعنى
القاموسي للكلمة. أستطيع هذا عبر لغتي الأولى بأكثر من أي لغة أخرى، لأنني بالدرجة
الأولى أقيم الصلة مع ذاتي ومن خلالها مع الآخر. بالاضافة إلى أن للكلمات بلغتي الأم
ذاكرة وعلائق سيكولوجية ونفسية وروحية تستيقظ بين الأسطر، لتخلق نكهتها الشعرية الخاصة.
حين تصبح علاقتي باللغة الإنكليزية بهذه الرهافة والحدّة والعمق، حينها سأكتب باللغة
الأخرى من دون تردد. وبما أنني لستُ ملهوفة للانتشار السريع بين قرّاء غير عرب، لذلك
أكتب حالي وكندا وبالعربية. لهذا قد نلمس خصوصية للقصيدة القادمة من هذا الظرف الاغترابي
المشتت والملتَبس. ومن أجل التواصل مع الآخر أعتمد حالياً على الترجمة.

 

 أرفض أي شريك يمكن أن يقوّض مملكتي المجنونة المملوءة بالأوهام
 


 

الناقد قارئ صامت!

> من هو قارئ شعرك في نظرك.. هل لديك أي فكرة عن هذا القارئ؟

< أستطيع القول أن النقّاد لم «ينهمكوا» ولو قليلاً بقراءة شعري ودراسته، وليس هناك إلا
كتابات محدودة منشورة بعد ثلاث مجموعات منشورة. أما إذا اعتمدت على القارئ الذي يصلني
رأيه عبر الإيميل، فهناك مفاجآت كثيرة وإيجابية من قرّاء لا يكتبون الشعر، وكذلك من
شعراء ونقّاد، ولكنهم يكتفون «بمديح القصيدة» عبر الإيميلات والرسائل الشخصية. كما بلغني
أن الناقدة المغربية د. لطيفة حليم، وهي مدرّسة أدب في جامعة محمد الخامس، أنها قدّمت
شيئاً عن كتاباتي في سياق أطروحة التخرج وحيازة شهادة «دكتوره الدولة» وأبلغتني عبر
الإيميل أنها طلبت مؤخّراً من طلاّبها البحث عن «صورة الأنثى في قصائد الشاعرة جاكلين
سلام». إذا كان القارئ يفرح بكتاباتي، فالناقد صامت وأنا مستمرة في كتابة العالم إلى أن
يجف القلب أو القلم.

 

الشعر المهاجر

> هل يمكن القول أن هناك حركة تعبير بالعربية أدباً وشعراً في كندا..؟

< بل أستطيع القول إن هناك جموداً واجتراراً سلفيّاً في الأسلوب والموضوعات. وأقول هذا
عن تورنتو وهي مدينة كبيرة جداً، وربما الأكثر نشاطاً من الناحية الثقافية ونسبة الحضور
العربي فيها عالية. ولهذه الغاية، ولدراسة الشعر المهجري عموماً، قمتُ شخصياً، وبالتعاون
مع بعض الأصدقاء وهما (فادي سعد ومحمد النبهان)، بتأسيس شبكة «جذور» الثقافية كموسوعة
للأدب المهجري الجديد والقديم، كي نوفّر للقارئ والباحث الناقد مساحة بانورامية للنظر في
تطوّرات القصيدة وحراكها الراهن. القصيدة المهجرية ما زالت عائمة وملتبسة من حيث التسمية
والنقد والتلقّي. بعض الشعراء والدارسين يرفضون تسمية القصيدة المهجرية، أو قصيدة
المنفى، وحتى قصيدة النثر أحياناً. فهل يمكن أن تتبلور «حركة تعبيرية جديدة» في بلاد
الشتات أو في العالم العربي، حيث الفكر والثقافة خاضعة لعوامل كابحة وسوداوية.

 

شعرائي الذين أحب

> مَن هم الشعراء العرب الذين ساهم شعرهم في تأسيس ذائقتك الشعرية؟ ومن هم الشعراء
الذين تشعرين أن شعرك قريب من شعرهم.. أو هو على الخط نفسه؟

< ذائقتي الشعرية ليست ثابتة ونهائية. كنتُ أحب قصيدة محمود درويش، وأحببتُ كذلك في
الثمانينيات قصيدة الشاعر السوري «رياض الصالح حسين» وهناك نزيه أبو عفش.. واليوم أجدني
أكثر انحيازاً إلى قصيدة أدونيس وشوقي أبي شقرا وبسام حجّار، وهذا على سبيل المثال لا
الحصر. لا أستطيع إطلاقاً أن أحدّد إن كان صوتي يتقاطع في محموله الشعري مع الآخرين.

 

 مستمرة في كتابة العالم إلى أن يجفّ القلب أو القلم
 


 

لست منقطعة

> هل أنت في انقطاع مع حركة الشعر في العالم العربي، أم أن لك صلات ما مع شعراء
وشاعرات عالمنا العربي؟

< أقرأ جيداً الشعر العربي والاصدارات الجديدة، سواء عبر ما يصلني إلكترونياً من
الأصدقاء، أو عبر البريد أو الشراء. كما أنني أعتمد على الاستعارة بشكل كبير. في جامعة
تورنتو مكتبة ضخمة لقسم الدراسات الشرقية، أرتادها للبحث والكتابة ويجري رفدها بالجديد.


صلاتي مع شعراء وشاعرات في الوطن لا بأس بها وتتمّ عبر الإنترنت. أتبادل مع الأصدقاء
والصديقات الكتب، الآراء والأخبار. كما أنني موجودة في بعض المنتديات على الشبكة
العربية، وأشاكس بالحوار والتعليقات والنقد، ومن ثم أعتكف وأتقوقع وأعود إلى عزلتي
الصافية والقصيدة التي لا تكتمل.

 

قصائد مارغريت أتوود

> مَن هن الشاعرات العربيات اللواتي تتواصلين مع شعرهن.. وما هو المشترك التعبيري
والجمالي بينك وبينهن؟

< لديّ ميل للتصوّر أن لشعري تركيبة خاصة بي، بحيّزها الشخصي والجغرافي، وقد يكون هذا
حقيقة وربما قصوراً عن معرفة قصيدتي ودواخلها بالتوازي مع الشاعرات العربيات. وسأكون
سعيدة لو تكبّد الناقد العربي عناء البحث في هذه البوتقة الصعبة، وأتاح لنا رؤية ظلال
الآخرين والأخريات على كتاباتنا. كما لا يوجد كتاب أثير لديّ لشاعرة عربية أعيد قراءته..
لكنني أقرأ قصائد مارغريت أتوود ولا تفارقني الدهشة والمتعة المحفوفة بالغموض. 

 

البحث عن الذات

> في ظل غياب النقّاد.. ما علينا إلا أن نسأل صاحبة الشعر.. ما هو، في نظرك، الخيط
الذي يجمع بين قصائد مجموعتك الأولى ومجموعتيك اللاحقتين.. وما هي الرسالة التي يريد هذا
الشعر أن يبلغها؟

< في مجموعة «خريف يذرف أوراق التوت» المنشورة إلكترونياً، صوت المرأة شاخص بضمير
المتكلّم في جميع الفقرات تقريباً، بينما المكان عائم وملتبس ومتأرجح بين الشرق وكندا.
في المجموعة الثانية «كريستال» عناية خاصة بالصورة المجازية في نبضات قصيرة، والمكان
متحوّل في صورة العطش وملابسات الضباب الثقيل والعزلة التي لم تعالج بالانصهار مع
الطبيعة وتجلّياتها. أما مجموعة «رقص مشتبه به» فأعتقد أن المكان أكثر حضوراً وتسمية،
وله إسقاطات تكتبها العواصف والثلوج والاشتباكات مع الغيمة والقلب وبدء الكون، وحتى
السناجب والنايات والمكانس والأحذية. قد يكون المضمر في قلب هذه الاصدارات هو البحث عني،
ومحاولة مستمرة للغوص في معرفة ذاتي أكثر، وكشف السحر عن هذه البئر الكونية التي توشّحها
الغيوم ويغمرها النقصان. مرة تكون الجملة نزقة قصيرة مسنونة، ومرة انسيابية وطويلة تعكس
علاقة الشاعرة بأشياء الكون. وفي كل فصولها تمارس حرّيتها بلا شهقات جنسية نافرة، وتلوذ
بصومعة عشقها الصقيل ويشوبها الحزن.

 

 أكتب الشعر كي أبقى قريبة من حلمي الهائم في خراب هذا العالم
 


 

التمرّد على الدور

> كيف بدأت صلتك بالشعر أنت التي درست في حقل آخر بعيداً عن الأدب.. وما الذي قاد
خطاك إلى هذه الدرب الصعبة؟

< ربما كانت دراستي الجامعية في حقل الهندسة الكهربائية خطوة أولى في التمرّد على الدور
الاجتماعي والتربوي المخصّص للمرأة. كان الأهل ومَن حولي يريدون أن أصبح «مُعلّمة» ألقّن
الأطفال التربية والأخلاق الحميدة، وأجلس في البيت في عطلة الصيف كي أعتني بالأولاد
والزوج في المستقبل، فاخترت النقيض، رغم أنني كنت أهوى الأدب. أما صلتي بالشعر والأدب
فكانت قويّة منذ الطفولة المبكّرة حيث كنت أقرأ كثيراً. ولم أغفل قراءة الأدب حتى في
غمرة الامتحانات، بل كنت أكتب مسودات أثناء الدراسة وعلى هامش الدارات الإلكترونية
الجافة. دروب القصيدة شاقّة لكنني أمارسها بعشق، وأرفض أي شريك يمكن أن يقوّض هذه
المملكة المجنونة المملوءة بالأوهام.

 

الكتابة ورطة

> تكتبين النثر والسرد القصصي، فهل هذا فضاء للتعبير يكمل ما لا يبلغه الشعر؟

< أحيانا لا يتسع صدر الشعر لكل مكنونات المحبرة.. فأذهب إلى السرد كامرأة تريد أن تحكي
للعالم عنهم وعن العالم. وليس بالضرورة أن يكون شهريار حاضراً لتمارس عليه لعبة الكلام
وفنونه. الكتابة ورطة جميلة بكل الأساليب والصور والمجازات التي نمضي بها، لكننا نبقى
عاجزين عن إدراك غاية الكلمة ـ كنه الإنسان والكون. 

 

أُنس مهجري!

> لديك نشاطات في الترجمة والصحافة والعمل النسوي.. هل لك أن تحدّثينا عن المجتمع
العربي المهاجر في كندا، من خلال أنشطتك الثقافية والاجتماعية؟

< أجرّب كل شيء لفترة وأتراجع لفترات. لم أخطّط يوماً أن أكتب صحافة وأقوم بالترجمة، لكن
يبدو أن شجرة الروح لا تزال تزهر. أما الجالية العربية فأراها متعثّرة في مشاريعها، وهذا
ليس غريباً عن الإنسان العربي بشكل عام. هناك تجمّعات وروابط ما زال روّادها يعيشون
أحلامهم الرومانسية السياسية والنضالية.. يحتفلون بأعياد تأسيس أحزابهم ويمارسون طقوسهم
الدينية والاجتماعية. السياسي منقطع عن الأدب، والجيل المثقّف الأكبر سنّاً محافظ
ومتحفّظ «عمودي وموزون»، ويرفض الشباب وقصيدة النثر والتجديد في أغلب حالاته. بعض
الحلقات الثقافية ليست أكثر من تجمّع أصحاب وسهرات أُنس، وما يقرأ ويكتب تحت اسم الشعر،
ليس إلا نثرات من الانشاء المدرسي المحمّل بقضايا وطنيّة وقوميّة ملتهبة، إلى جوار الغزل
والزجل والشعر الشعبي. ولأن الجيل المحافظ هو الأكثر نشاطاً من حيث الظرف والوقت، فهذا
يسبب انزياح الأصوات المبدعة الحقيقية إلى عزلتها بعيداً. هناك مركز جديد لتعليم اللغة
العربية والرقص والعزف والمطبخ العربي لكل من يرغب من الكنديين والشباب من أصول عربية.
وتبقى المحاولات الشبابية مستمرة لخلق حالة جمالية تنصف صورة الفن والأدب العربي. ولو
عاد جبران وأعضاء رابطته إلى يومنا هذا لما شعروا بالفخر بأحفادهم.

كتب الحوار في 26 ديسمبر عام 2006 
نشر في 20 يناير 2007 في مجلة المشاهد السياسي- العدد 566 
http://www.almushahidassiyasi.com/ar/9/3189/