|
حوار في المالكية/ سوريا
للمكان سطوة على النفس البشرية وعلى الكتابة
تألمت كثيراً عند زيارتي مكتبة المركز الثقافي في المالكية
1- كيف بدأت رحلة إبحارك في عالم الأدب؟
ج: لا أدري تماماً! لكنهم يقولون أن القارئ الجيد مؤهل لأن يصبح كاتباً! وقد كان لي
منذ الصغر عشق مع المطالعة والقراءة بنهم. لم أكن أتلادد في قراءة أي كتاب. وقد ذكرت
في أكثر من حوار أن المعين الأول للمطالعة والحصول على الكتاب، كان مكتبة المركز الثقافي
في المالكية. تلك المكتبة كانت نافذتي على العالم وعلى الكتابات العربية والآداب
العالمية المترجمة.
لم أكن مهتمة بمجريات الشارع والواجبات الإجتماعية بل كان الصمت والتأمل ومراقبة
التفاصيل الصغيرة زوادة وطريقاً إلى المحاولات الأولى التي كنت أخطها بين دفاتري في صمت
وعزلة. هذه المحاولات تبلورت بالتأني والتثقيف الذاتي حتى كانت المحصلة قصيدة ثم قصة ثم
مراجعات نقدية. إنها رحلة شاقة وممتعة أعيشها بكل أبعادها ولاأنكر أن الاغتراب "المكاني"
قد فجر هذه الطاقات الكامنة ولارغبة لي في العودة من هذه الرحلة إلا بكلمة وقصيدة تحمل
بعض السمات الإنسانية التي يفتقدها الكائن في معمعة الأيام.
2- تمتلكين علاقة حميمة مع الكمبيوتر وقرأنا لك مايشبه الصلاة الالكترونية، ماذا تحدثينا
عن هذا الجانب؟
ج: العلاقة الحميمية الأولى كانت مع الكتاب والورقة البيضاء والقلم وتحولت بحكم التطور
التكنولوجي الحالي إلى علاقة بديلة حميمة مع الكمبيوتر ولأنه كان نافذتي أيضاً على عوالم
الكتابة ووسيلة التواصل الوحيدة مع العالم العربي، صحفه المطبوعة الورقية والالكترونية.
نعم قلت في إحدى مقالاتي اللهم احفظ كمبيوتري ولاتقطع صلاتي الالكترونية مع العالم
العربي خصوصا فبدون هذا الجهاز العظيم لن أستطيع الإبحار في عالم الكلمة شرقاً وغرباً.
ولاأخفيكم أنني لا أعرف الجلوس في البيت بهدوء إذا كان جهاز الكمبيوتر معطلاً أو بحاجة
إلى صيانة. يكفي أن يكون الكمبيوتر بخير حتى أشعر إنني أتنفس جيداً.
3-كيف انعكست روح الغربة على كتاباتك؟
ج: لاشك أن للمكان سطوة على النفس البشرية وعلى الكتابة. المكان بما يحمل من تفاصيل
مادية وعمرانية وتفاصيل تاريخية وعلاقات اجتماعية. ديار الغربة مكان آخر، يختلف عن
المكان الأم، والغربة تراب آخر ووجوه أخرى تبعث في النفس مفارقات مذهلة. هناك وجدت نفسي
مأخوذة بالمقارنة مابين تاريخ مضى وحاضر قائم. هذه المقارنة كانت مشحونة بالحنين والقلق
والمتعة والألم، ولها حضور بين كلماتي. ربما لست قادرة على تلمسها ومعرفتها بشكل تفصيلي
لكني أعتقد أن القارئ المجتهد يستطيع أن يراها وأن يحدد ملامح غربتي من خلالها.
4- بعد سنين الاغتراب الداخلي والخارجي كيف التقيت المالكية- بيت الطفولة؟
ج: رائعة وحميمة هذه المدينة الريفية التي تركض نحو المدنية، رائعة وعزيزة جداً ولكن
للأسف تركض بسرعة شاهقة نحو الإستهلاكية في جوانب كثيرة. يحزنني هذا الكم الهائل من
التمسك بالقشور. يفرحني أن أرى بعض الوجوه والنوافذ التي تسعى لإضافة بعد ثقافي ووجداني
ومعرفي بين يوميات هذه المدينة الرتيبة.
المالكية التي أحبها أراها اليوم أو يمتلكني الشعور بأنها حزينة وتعاتبكم وتعاتب الجميع
لفقدانها إحدى أهم أركانها: مكتبة المركز الثقافي والمكتبات الخاصة أيضاً.
أليست حزينة وكئيبة أية مدينة تخلو من الكتب والحلقات الثقافية!
ربما ليست الهموم الثقافية معدومة ولكنها شحيحة ولا تتناسب مع هذا التطور في البناء
ومحلات الأحذية والألبسة والحلويات والموسيقى وكل مايقع في هذا الإطار!
أحب المالكية وأحزن إذ أرى العناية فيها أقل بكثير مما يجب، وكما أرى الحكسة، القامشلي،
المالكية والضواحي، جميعها بحاجة شديدة إلى رعاية من قبل الجهات المعنية على جميع
الأصعدة ولأكثر من سبب، ويكفي أن هذه المنطقة هي مركز الخير الأول وعصب الاقتصاد السوري،
من حيث انتاج الحبوب والقطن والبترول بالدرجة الأولى. هناك دمعتي سبقت فرحتي حين قمت
بزيارة بيتنا الأول، البيت الذي ولدتُ فيه ثم انتقلت العائلة إلى حارة أخرى. ماتزال تلك
الغرفة الطينية تستقبل الضوء والمغيب ويسكنها أصدقاء أكراد كنا نتقاسم معهم الشارع
وألعاب الطفولة.
5- ماذا تحدثينا عن مشاركتك في "مؤتمر الشباب العربي في المهجر" الذي انعقد في عمّان
الأردن في الأول من نيسان 2006؟
ج: كانت مشاركتي في المؤتمر الذي أقامه" منتدى الفكر العربي برعاية الأمير الحسن بن
طلال" بصفتي شاعرة عربية مهجرية. شاركتُ في أمسية شعرية أقيمت في اليوم الثاني للمؤتمر
وبحضور عدد كبير من الأسماء والوجوه الثقافية العربية من المهجر ومن البلاد العربية. كما
كان هناك مشاركة لمؤسسة "جذور" التي نعمل فيها، وذلك بورقة قدمها زميلنا "محمد النبهان"
عن مؤسسة جذور التي تعنى بالأدب العربي المهجري المعاصر والتراثي. إذ تعتبر جذور من
التجارب المهجرية الناضجة التي تسعى إلى ربط جسر ثقافي مابين الشرق وثقافته ومابين الغرب
ولغته وإبداعاته وذلك من خلال الترجمات والصحف والمواقع التي تحاول أن تكسر هوة التباين
الثقافي والحضاري. كانت تجربة غنية وأول رحلة ثقافية أقوم بها نحو الشرق منذ هجرتي. كان
لي هناك حديث عبر التلفزيون الأردني ومشاركة في تحقيق صحفي نشر في صحيفة" الدستور"
الأردينة. وما يحسب لهذا المؤتمر من نقاط القوة أنه توجه نحو الطاقات العربية المبعثرة
في الخارج.
6- قرأنا عن نشاطاتك المختلفة في ميدان الأدب والثقافة ويبدو من ورقة السيرة الذاتية أنك
تعملين في مؤسسة "جذور" للأدب المهجري، متى تأسست هذه الرابطة وأين؟ وماهي مشاريعكم
الأدبية-المهجرية؟
ج: جذور/ مؤسسة غير ربحية تأسست في صيف عام 2005 وتعنى بالأدب العربي الذي يكتبه
المهجريون، إلى جانب الترجمات والفنون والدراسات. في موقع "جذور" الالكتروني تجدون
موسوعة تكبر يوماً بعد يوم، لتضمن جميع الأسماء العربية التي لها بصمة وحضور ثقافي تبلور
حين الإقامة في المكان الجديد، متفاعلاً مع اللغة والثقافة الأخرى. جذور، عمل جماعي طوعي
والأول من نوعه من حيث التخصص. وتقوم جذور حالياً بخطوة جديدة وهي إطلاق "دار نشر جذور"
لتكون حاضنة للكتب العربية التي تنتج في المهجر/المنفى، ويتم توزيعها هنا وهناك مع
المحافظة على علاقة "محترمة" ما بين الكاتب والناشر. مشروع جذور مفتوح على التطوير
والتجديد، ويقبل المساعدات المعنوية والمادية والاقتراحات الجادة.
7- كلمة أخيرة؟
ج: لقد تألمتُ كثيراً عند زيارتي إلى المركز الثقافي في المالكية. أحزنني جداً حال
المكتبة الراهن بعد أن تم حرقها في شهر شباط عام 2004. وكلي أمل ورغبة في أن يعاد ترميم
هذا الصرح الثقافي الهام وفي أقرب فرصة. ومن ناحيتي أستطيع أن أقدم بعض الجهود في محاولة
الحصول على تبرعات من جهات ثقافية عربية، كي تعود "مالكيتنا" إلى رونقها وتكتمل أركانها
الجميلة والحميمة، بإعمار بيت للمثقفين وشباب المدينة.
أجرى الحوار: أدمون زكو، المالكية/سوريا
أيار 2006، المالكية سوريا.
|