حريق مكتبة المالكية . أنا الكتاب لاتحرقوني
  



حرق مكتبة المركز الثقافي في المالكية(ديريك)

أنا الكتاب لا تحرقوني

جاكلين سلام/كندا

1
من نص بعنوان "يحرقون الكتب عوضاً عن الأطفال" للشاعرة الأمريكية أدريان ريتش، أقتطف هذه
المقدمة: 
"جاري، عالِـمٌ ومقتني قطع فنية، يتصل بي معتكر المزاج معنّفاً. يخبرني أن ابنه وابني،
عمرهما لايتجاوز الاحدى عشرة سنة، والثانية عشرة سنة، قد أحرقا كتب الحساب في باحة
المدرسة في اليوم الأخير. لقد منع ابني من زيارة بيتهم لمدة اسبوع، كما منع ابنه من
الخروج من البيت لنفس الفترة. قال أنّ "حرق الكتاب، يوقظ إحساساً مرعباً في داخلي،
ذكريات عن هلتر، هناك أشياء عدة تزعجني جدا كمثل فكرة حرق الكتاب" – كتب النص عام 1968،
من قصائد مختارة - ادريان ريتش .

2
"أعرف أنّه من المؤلم أن تحرق" تردد الشاعرة في سياق القصيدة الطويلة، وتواصل الطرق على
مفاتيح الآلة الطابعة فترتفع حراراتها، تشعر بالإحتراق قد وصل إلى لسانها، تعاين ألوان
الجدران، زمن الكلمات وصمتها، دون أن يتمكن أحد من معاينة وجع الكتاب حين يصبح رماداً،
حين يعتدي عليه الغوغاء، حين ينتقمون من عنف غير مبرر بعنف أشدّ بأساً، ثم يذهب كل إلى
منبره ليكتب "أمجاده" مسوغاً لأفعاله الناقصة. وتكتب أدريان ريتش "لا أحد يعرف ماذا يمكن
أن يحصل/رغم أن الكتب تحكي كل شيء" 

3
وتكتب في مقطع آخر" الناس يعانون بشدة من الفقر ونحتاج إلى الكرامة والثقافة كي نتغلب
عليه. بعض المعاناة تكون: طفل لم يأكل وجبة عشاء الليلة الماضية. طفل يسرق لأنه لايملك
نقودا كي يشتري وجبة. أن تسمع أماً تقول إنها لا تملك نقودا كي تشتري طعاماً لأطفالها،
وأن ترى طفلاً بلا ثياب، سيجعل الدموع تترقرق في عينيك" ونقرأ في الكتب أكثر من ذلك.
نقرأ عن طفل ينام خائفاً وحزيناً إلى جوار بئر من النفط  يواصل احتراقه طوال الليل
والنهار ملوّثاً الهواء، الأشجار، النرجس وعناقيد العنب. 
"هذه ثقافة الطاغية/أعرف أنّه من المؤلم أن تحرق" ومن المؤلم أن تكتب عن أطفال قتلوا حين
كانوا يلعبون أو يشاهدون لعبة كرة القدم في الملعب البلدي، ومن المؤلم أن تكتب عن صرخة
الكتب التي قبعت زمناً في الصمت، في مخيلة كاتبها، وبين أصابع القراء وأحلامهم. من
المؤلم أن ترى ثقافة "الإنتقام" منتعشة في بأكثر من صورة وممارسة. "العين بالعين، ويصبح
العالم أعمى" يقول غاندي. 

4
"لا أحد يعرف ماذا سيحصل/رغم أن الكتب تخبر عن كل شيء" ولكن ماذا ستقول الكتب التي أصبحت
رماداً! هل يحكي الرماد؟ أنظرُ إلى الصور، أبحلق في الرماد، أسمع بكاء الأزمنة وصرخة
كتاب يستنجد: أنا الكتاب لا تحرقوني. الكتاب عدو الطغاة، سواء أكان معلقاً على رف في
مكتبة المالكية في سوريا، أو معروضاً على عربة/بسطة" في شارع المتنبي في بغداد، أو
قابعاً في مكتبة عظيمة في العصور الوسطى أو الزمن الحاضر. ثمة مجازر عديدة في التاريخ
اقترفت بحق الكتاب القابع في مكتبات عريقة، أو في بيوت يسكنها الفقر، والجوع أو الحلم.

5
أقرأ عن حريق "شارع المتنبي" حديثاً، أقرأ المقالات التي كتب في الصحف العربية ومواقع
الانترنيت... أنظر في رماد المكتبة التي قضيت بين جدرانها أوقاتا طويلة من مراحل حياتي،
الطفولة والشباب، لا أرى سوى الرماد ، وجدران سوداء، أعمدة الحديد التي كانت تحتضن الكتب
المصفوفة بانتظام، مقسمة إلى خانات: أدب عربي، أدب عالمي مترجم، قصص، روايات، شعر،
جغرافيا، تاريخ، تنجيم، أدب جاهلي وأدب حديث، "أعرف أنّه من المؤلم أن تحرق" كتاباً.

6
كانت مكتبة المركز الثقافي في المالكية، المكتبة الوحيدة في المدينة الصغيرة والتي تغذي
الجميع بأمهات الكتب العربية والعالمية المترجمة. المبنى قديم كبير وأنيق مزود بمسرح
كبير، قاعة مطالعة وصالة كبيرة لعرض الكتب التي تمتد من السطح إلى الأرض. أحرقت تلك
المكتبة إثر أحداث القامشلي التي وقعت في 12 آذار 2004، إثر اشتباك بين قوات الأمن
والشرطة في المنطقة وبين مجموعات كردية. راح ضحية الإشتباك عشرات القتلى والجرحى، ولحق
تخريب كبير بالممتلكات العامة والشخصية والمرافق الحكومية والمدارس. كانت مكتبة المركز
الثقافي ضحية وشاهداً على جريمة بشعة. 
ما تزال المكتبة مغلقة حتى هذا التاريخ. حين زرتها في نيسان 2006 لم يكن هناك سوى الرماد
والجدران المكسوة بالدخان الأسود. الجهات المعنية ما تزال تتنصل من مهمتها في إعادة بناء
هذا البيت الثقافي العريق. الجهات المعنية، ربما معنية بمشاريع أخرى أكثر أهمية من
الثقافة والكتاب وربما تفترض أن أهالي المدينة يتوجب عليهم بناء المكتبة من جديد!
حين كنت في زيارتي الحزينة للمركز، التقيتُ مدير المركز وسألت عن بعض المعلومات عن
المكتبة فقال " اذهبي إلى المكتبة، واكتبي ماترين" فقلت له: لكنني أتيت من المبنى للتّو،
لا يوجد شيء سوى الجدران والرماد، فلم يجب! 
دخلت المبنى، كان الباب الخارجي مفتوحاً، والصمت والركام والنفايات منتشرة. كانت غرفة
المكتبة والمطالعة مغلقة بقفل حديدي واليافطة فوق الباب تشير "الثقافة هي الحاجة العليا
للبشرية" كانت المفارقة مثيرة للسخرية. التقطت صوراً للرماد المركون في الممر. كان
المكان خالياً تماماً وفجأة حضر شابان يرتديان اللباس العكسري الكامل، يحرسان الجدران!
خرجت مستغربة كيف تغيرت معالم المالكية. لفت نظري وجود شباب في لباسهم العكسري الكامل،
يحملون بنادقهم، يروحون ويجيئون في الشارع المقابل. تابعت تجوالي في تفقد الماضي
والذكريات، ذهبت لزيارة البيت القديم الذي ولدت فيه، استقبلتنا جارتنا الكردية التي تسكن
الدار بحفاوة وترحيب حار ودعتنا لشرب الشاي، أنا وأمي وأبي. انشغلتُ بالغوص في جدران
الغرف القديمة والذكريات التي استيقظت. تذكرتُ ( بئر الماء ) الذي لم يعد هناك. كنت في
الصف الأول ربما، وكانت إحدى الجارات تسحب الماء بالدلو. غسلت وجهها وقدميها  بالماء
البارد وشربت ثم رفعت رأسها وقالت" اوخ، نشكرك يا رب" فرددت عليها " بس هذا بئرنا ويجب
أن تشكري أمي وأبوي" فنظرت إلي معنّفة وقالت بلهجتنا المحلية "دي انقلعي من وجهي، قامة
الشبر، صار لسانك/ي، أطول منك/ي) . الثقافة هي الحاجة العليا للبشرية وكذلك الماء.

7
صديقتي الكردية المقيمة في كندا منذ أكثر من ربع قرن، جمعتني بها الغربة، عشق الكتاب
وأسرار اللوحات التي تصور الحب والجمال وتنبذ العنف أينما كان. حين سمعت عن المكتبة ورأت
بعض الصور، احتضنتني والغصة في حلقها.  بعد ذلك بأيام أتصلت بي وأخبرتني أنها اشترت
عدداً من الكتب الأدبية والفنية كي تتبرع بها للمكتبة في المالكية، وأنها تريد عنواناً
بريدياً لإيصال الهدية. فقلت لها: هذا رائع، لكن المبنى والمكتبة مغلقان الآن وحتى إشعار
آخر.
وقلت: لابد من "أزهار" كثيرة كي يتوازن هذا العالم.

---
*المالكية، مدينة تقع في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، تقع على الحدود العراقية التركية،
تتعايش فيها القوميات والأديان والطوائف- العرب، الأكراد، الأرمن، السريان، الاشوريين،
اليزيديين....ومعروفة أيضا باسمها القديم "ديريك أو ديرك".
* انظر الصور المرفقة، بعضها أخذ بعد الحدث عام 2004، وبعضها التقطته عام 2006 حين كنت
في زيارة.  


آذار 2007 

جاكلين سلام: شاعرة وكاتبة سورية مقيمة في كندا
www.jackleensalam.com
bread_rose2@yahoo.com


نشر في موقع جدار 2007