|
صورة الأب
صورة أبي قصيدة يتيمة. شرشف مطوي في خزانة مغلقة على أسرارها وذاكرتها الغامضة. له في
مرايا الروح صور متناقضة. العصبية والحكمة، الجدية الصارمة، عناد الفلاحين وطيبتهم. أبي
قوقعة منكفئة على نفسها. كان يثير حنقي بقدر ما يثير شفقتي ويستدعي حبي له. كانت حياته
الشقية الدرس الأول في الهجرة التي لم استوعبها حتى الآن، ومازلت أحاول أن أفك عقدها
المتتالية. كبر أو سرقت منه طفولته باكراً. صورته التي تطالعني كلما فكرت بالجذور
والأجداد، هي صورة ذلك الطفل الذي يتركه الدهر يتمياً، فيجبر كما غيره من أهالي منطقة"
آزخ وعين ورد" للهجرة أو النجاة. طفل يمثل دور الرجل ورب العائلة أيضا. يقود حماراً، يضع
في البردعة أخته وأخيه الأصغر، كل في جانب، ويمضي للالتحاق ببقية الأهل في ديريك. وبقي
أبي محافظاَ على دوره ك"رب" للأسرة فيما بعد. أبي قلما يضحك بصوت عال. يرتبك ويعبس وربما
يخجل من آلة التصوير الخبيثة. أبي لم يكسر أغراض البيت، لكنه كان يكسر قلب أمي، وكلما
التئم الجرح، عاود كسره. أبي يحب أولاده بصمت وسخاء ومازال صوته يرن في أذني ويقول
"سأبيع لحم أكتافي كي تدرسوا". أبي لايعرف قبر أبيه وأمه. أبي أصبح عجوزاً حنوناً الآن
يساعد أمي في شطف أرض الدار، يغسل الخضار ويسمع نشرات الأخبار 24 ساعة في اليوم. لم أكتب
عن أبي بعد.
جاكلين سلام|تورنتو
مشاركة في تحقيق صحفي أجراه اسكندر حبش لصحيفة السفير شارك فيه عدد من الشعراء
والشاعرات، 2007
|