|
حياةُ نساءٍ بلا أطفال، نساء لسن أمهات لأحد
النساء الأمهات، هل هنّ أكثر سعادة من نساء لسن أمهات؟
جاكلين سلام/تورنتو
"هذه المرأة بدون أطفال-ياحرام" جملة تقال همساً بين الجيران والصديقات والأهل، وتحضر
مرفقة بالشفقة والحزن أو عدم الاعتراف بكمال هذه المرأة التي "بدون" أولاد. وتحضر كلمة
بدون لتشير إلى نقصان كبير يعتري كيان هذه المرأة التي تتعامل اللغة ايضاً معها بتكريس
هذه" الدونية" ووصفها بكل الصفات القاحلة التي تجردها من العطاء، إذ تقصر وجودها المثمر
في هذا العالم على إنجابها للأطفال بالدرجة الأولى وربما النهائية. ونستحضر بعض هذه
المفردات: العاقر، الأرض البور، بلا ثمار، الملعونة...
في هذه الأنثولوجيا الصادرة حديثا في كندا عام 2006 "لست أماً لأحد/الحياة بدون أطفال"
نجد مجموعة مقالات تأخذنا في رحلة اعترافية استثنائية صادقة جارحة شجاعة تسردها أربع
وعشرون امرأة من كندا وأمريكا، مابين كاتبة، شاعرة، ناشطة اجتماعية، صحافية، فنانة،
مذيعة. كتاب جديد في قوة طرحه يفرد أسراراً وحسرات وتأملات في إحدى المواضيع الأشد
حساسية في حياة المرأة وايخص أسرارها البيولوجية والنفسية. هذا الموضوع الذي يعد صيغة من
صيغ "التابو" الذي يجب تخطيه بشفافية وحذر وتفهم عميق والنظر لقيمة الفرد في ذاته ووجوده
الشخصي. نطالع صفحات من حياة نساء اخترن ألا ينجبن بقرار أو نتيجة ظروف بيولوجية عائلية
واجتماعية مررن بها، كما نجد نساء لم تسمح لهن ظروف الحياة والاستقرار والزواج إمكانية
الإنجاب قبل أن تبدأ دورة الجسد بالذبول.
محررة الكتاب الأستاذة "لين فان لوفين" تحمل شهادة دكتورا في الأدب الإنكليزي وتدرس
الكتابة والصحافة في جامعة "فيكتوريا" كندا كما تقدم بعض البرامج لراديو كندا، وصدر لها
مجموعتان انثولوجيتان. تقول الكاتبة: كنت دائما أفكر بموضوع الأطفال والأمومة، أجلس
صامتة حين يتحدث أصدقائي أثناء العشاء عن نجاحات ومشاكل أولادهم.. فقررت أن أقوم بهذا
المشروع وأن أطلب من النساء اللواتي لم ينجبن، أن يكتبن بصراحة وصدق عن تجربتهن، فكانت
هذه المقالات الشخصية لنساء من مختلف الطبقات الإجتماعية، بعضهن يعتبرن أنفسهن من الموجة
الثالثة في عمر الحركة "الفمنسيتة" وبعضهن لم يقرأن سيمون دوبوفوار على الإطلاق، وعني
شخصياً قرأت ذلك الكتاب "الجنس الثاني" في مراهقتي لأنني وجدته في مكتبة والديّ، وكنت
أتوقع أن أجد فيه مادة جنسية. في هذا الكتاب نساء أعمارهن تتفاوت ما بين العشرينات
والسبعينات... والمشترك في هذه المقالات الشخصية أن الجميع فكرن بالأمر طويلاً وعشن صراح
الرغبة في الأمومة وعدمها، قلق قبولهن في هذا المجتمع رغم ثقافتهن ونجاحهن في أعمالهن.
وقد نلحظ اترفاع نسبة هذه الظاهرة، إذ تأخذنا الكاتبة إلى إحصائيات جرت في كندا عام 2001
تشير إلى أن معدل واحدة من عشر نساء، لايرغبن في الإنجاب، وأن نسبة 8% من الرجال صرحوا
بأنهم يرغبون أن يعيشوا بلا أطفال. وتشير آخر الإحصائيات إلى أن 33% من النساء ذوات
التحصيل العالي في كندا، مايزلن بلا أطفال في سن الأربعين.
شهادات شخصية
تتطرق الشاعرة الكندية المعروفة "لورنا كروزير" التي أصدرت أكثر من عشر مجموعات شعرية
وأكثر من أنثولوجيا عن الشعر الكندي المعاصر، والكتب النقدية إلى جانب عملها كأستاذة
مدرسة للأدب والكتابة الإبداعية في جامعات كندا. تصف "كروزير" وهي الآن على مشارف الستين
من العمر تفاصيل من حياة والديها الفقيرة والمضطربة، تحكي عن القهر والهوان الذي عاشته
الأم التي رزحت مبكراً تحت عبء إعالة أسرة من عدة أفراد وفي ظل غياب الزوج المدمن على
الكحول... تتحدث الشاعرة عن خيارها الشخصي بعد ارتباطها برجل أحبته وكان لديه أطفال من
زواج سابق، ولارغبة لديه في مزيد من الأولاد. وهنا تقع الشاعرة في جدل الرغبة في الإنجاب
والتخلي عن الرجل الحبيب، وبين الإكتفاء بأن تكون "أما من درجة ثانية" أماً لأبناء وبنات
زوجها الذي تعيش معه حياة جميلة ولم تكن تخلو في بداية المشوار من المشاحنات والاقتتال
والمناكفات التي قد تصدف كثيراً من الأزواج في مقتبل حياتهم المشتركة سواء وفق عقد زواج
مدني، أو ديني أو بمجرد الإقتناع بالعيش المشترك. تقول "كروزير" : أحتضن الكتب الكثير
ولكنني لا يمكن أن أجد فيها بديلاً عن احتضان طفل يخصني، قد أحب القطط كثيراً لكنني لا
أقتنع بما يقوله بعضهم عن أن الحيوانات الأليفة تصبح بمثابة أطفال.
تتطرق إلى محادثة بينها وبين والدتها حين أرادت أن تخبرها عن قرارها بعدم إنجاب الأطفال.
فتصف بالتفصيل المشوار والحديث العميق والخوف والتردد الذي أعتراها حين قالت لأمها "أمي،
لقد قررت ألا أنجب أطفالا" فتكون المفاجأة المطمئنة غير المتوقعة من قبل الأم حين أجابت
"ليس من الضرروي أن تصبح كل النساء أمهات". وتقول في ختام مقالها الجميل لو سألها أحد،
ولو سألت هي نفسها هل ندمت على اتخاذ هذا القرار فستجيب "حياتي لم تكن استسلاما، كانت
تحصيلا، وسوف أجيب، نعم، وسوف أجيب لا. لقد صنعت قراري حين كنت في الثلاثينات من العمر
وبقيت مع الرجل الذي أحبه لمدة 28 سنة وحتى الآن. هنا فقرة من قصيدتها تصف أحلام اليقظة
والتوق إلى طفلة من صلبها...
كذلك تتحدث أيضا المذيعة الكندية المشهورة "شيلا روجرز" التي تعمل في راديو كندا "سي بي
سي" وعرفت النجاح والشهرة من خلال برامجها وحواراتها الثقافية وحضورها الجذاب بصوتها
وضحكتها المميزة ومقدرتها الذكية على تقديم كبار الشخصيات الأدبية، ووصولاً إلى المشردين
وإلى ماهنالك من فئات اجتماعية. تقول روجرز في مقدمة الكتاب: لقد عبرت الخمسين من العمر
وأنا أكتب هذه المقالة. أشياء كثيرة يمكن أن أتطرق إليها ولكن يمكنني يالقول إنني ما زلت
أشعر جذابة جنسياً، وأشعر بالراحة داخل جلدي وجسدي، أتطلع إلى الغد، ولا أعرف ماذا
سيحمل، لكنني متأكدة بأنني لن أنجب بعد، لقد ولدتُ نفسي. وتختم بإشارة إلى موضوع السعادة
أو الغبن الذي تشعر به النساء اللواتي لسن أمهات فتقول: لكنني دوما سوف أتساءل هل النساء
اللواتي ينجبن أطفالاً أكثر سعادة مني، وأكثر شعوراً بالامتلاء وتحقيق الذات، أم أن تلك
السعادة هي فقط سعادة من نوع آخر، وهل هن أكثر إنسانية؟
تتحدث كثير من النساء هنا عن هذا السؤال المحرج والمثير للجدل "كم طفلاً لديك، متى سيصبح
لديك أطفال" بعضهن يتحدثن عن الحرج الشديد والحزن ينتابهن عند تلقي السؤال بلا رحمة،
والبعض منهن بمتلكن شجاعة الرد بقوة والدفاع عن هذا الحال، أو القرار الذي يعتبر شخصياً
وفردياً بغض النظر عن المرجعيات الدينية والتقاليد الإجتماعية التي يحضر بعضها في مقالات
الكاتبات سواء وذلك في حديثهن سواء مع أفراد الأسرة والأصدقاء أو مع الغرباء العابرين.
بعضهن كتبن عن إجهاض حمل لم يعقبه حمل آخر. بعضهن كتبن عن البيئة ووقايتها والتفكير
بمصادر العيش والفقر الذي يعم العمورة والذي يستدعي أن يفكر المرء كثيراً قبل أن ينجب
طفلا يزيد عدد سكان المعمورة. بعضهن كتبن عن الإنشغال بالحياة ومشاريعها بحيث لم يكن
لديهن الوقت والرغبة للعيش لأنفسنهن وهؤلاء يجدن في العمل الإجتماعي حلقة مهمة في سلم
انسانيتهنّ ويشعرن في نفس الوقت بامتلاء عاطفي روحي حين يخدمن أطفال الجاليات التي يعشن
فيها، وهذا ما تشير إليه إحدى الكاتبات من الهنود الحمر، كانت تواجه هذا السؤال دوما من
النساء الأكبر سناً. كما هناك بعض نساء لا يشعرن بأن الجينات التي يحملننها "يجب" أن
تورّث وتخلّ د في هذه الارض بعد رحيلهن، بل يكتفين بمتعة وجودهن اليومي الآني.
تقول باتريشيا فرانك: قناة الولادة عندي لم تعطي وليدا، ساعدي لم تحتضنا طفلا وتهدهده،
لم يمتص رضيع حلمة ثديي...أنا بدون أطفال. كيف مشاعري حول هذا؟ . مشاعري جيدة إزاء
ذلك....ثم تضيف: بعض المختصين في علم الجينات والمعالجة يتوجب عليهم أن يفهمونا لماذا
ولدت وليس لدي رغبة في الإنجاب.
كذلك تتحدث "ماري جين كوبس" عن ظروف العمل وعدم الاستقرار ثم الشعور بالخيبة حين اكتشفت
المفاجأة المذهلة بأنها دخلت ما يسمى "سن اليأس" مبكراً جدا وقبل الحد الطبيعي المتعارف
عليه فتصف زياراتهامن أجل العلاج: "الطبيب مرتبك وعصبي. ماذا هناك يا دكتور، هل هو
السرطان، أو اي التهاب آخر؟ لا. لاشيء غير عادي. ماذا هناك إذا؟ أبداً/ لقد دخلت تماما
سن اليأس وهذه حالات جينية تنتقل في الأسرة، هل تذكري متى أنقطع الطمث عن والدتك؟ ..
ولكنني لست والدتي"
تتحدث ماغي دي فرايس عن المتعة في حياتها حياتها كزوجة، كاتبة، صديقة، ناشطة اجتماعية.
وتشير إلى أنها تكن محبة خاصة وتقديراً لأحدى عماتها التي كانت أيضا بدون أطفال وتكتب
قصصاً قصيرة منها القصة الشهيرة "جين الصغيرة". فتقول ماغي بعد أن أجهضت حملها أكثر من
مرة: أتمنى أن أكون كما خالتي. أنا لستُ أما لأحد وأشعر بالحزن لافتقادي هذه التجربة.
ولكن هناك طرق كثيرة لتقديم الخير لهذه الأرض، وهناك عدة طرق للعيش بامتلاء. في السنوات
الأربعة الأخيرة، شعرتُ لأول مرة في حياتي بأنني على الطريق الصحيح ولدي فضول لمعرفة إلى
أين سيقودين هذا- ص 196.
الكتاب يقع في 226 صفحة يلخص خيارات نساء أمريكا الشمالية الجنسية والعائلية والأمومة
وبناء أسرة بالمعنى الكلاسيكي. أما إذا وقفنا في الجانب الأخر الشرقي من العالم، سنجد
المرأة صامتة تعض أوجاعها بدون أن تتجرأ على البوح بما يعتري روحها حين يسألونها بصوت
مرتفع "متى ستصبحين أما" كما سنجد نسبة من النساء اللواتي لم يجدن الرجل المناسب الذي
يمكن أن يكون زوجاً وأباً في المستقبل. المثقفات لسن في منأى عن هذه الدائرة حيث يكون
الحمل النفسي ثقيلا ومتشابكاً بمجموعة من المرجعيات العرفية الدينية والقبلية التي تحصر
وجود الأنثى في التناسل وتربية الأطفال. ولاشك أن الرجل الذي لا ينجب أيضاً سيدفع أيضاً
ثمن هذا "القدر" أو الخيار. وكم من رجل وامرأة يحلمون بالطلاق والعيش باستقلالية، لكن
مسألة الأولاد هي التي تعيق خياراتهم أو تؤخرها.
Nobody’s mother/life without kids
Editor: Lynne Van Luven, 2006
الشرق الاوسط، 2007
|