|
الثلج هوية قابلة للذوبان
سيرة فصل الشتاء في أقلام الشمال الأميركي
جاكلين سلام/تورنتو
الكتابة فصول وحياة
الثلج جزء من الهوية الكندية والشمال الأميركي. الثلج هوية قابلة للذوبان.
ماذا سيفعل الكنديون وقد تأخر الثلج وارتفعت درجات الحرارة في القطب المتجمد؟ لقد قطعتْ
إحدى جبال الجليد أواصر اتصالها مع ركنها الأولي الممتد من قرون. الجبل الجليدي المنحل
عن بيته شارد يبحر على عماه في عتمة المحيط اليوم. ماذا سيفعل الكنديون بـ«هوية» قابلة
للذوبان بفعل الطبيعة والترفع الحروري العالمي! أين ستذهب الدببة المدللة، وجماعة الفنون
القطبية، ورياضة التزلج والكتابات الغارقة في الحكمة البيضاء وعزلتها المهيبة والمفزعة!
كما نعلم أن سيرة الشتاءات ممتدة في الوعي الجمعي والفردي، موغلة في قديم الأزمنة
وأساطيرها، متجددة في تحولاتها ورموزها وأساليب التعبير عنها. حين يحل الشتاء طويلاً
وثقيلاً على جغرافيا المكان، لا تنجو القصيدة والرواية من تقلباته، ثلوجه وعواصفه
المدمرة. الشتاء والإيغال في أعماق الروح والحاجة للالتصاق بالآخر، تبادل الأسرار
والحكايا في بيوت محكمة الإغلاق دافئة، ويا لبؤس سكانها حين ينقصها الشرط الإنساني
المعتدل، الحطب، المازوت، الكهرباء، الحب. ما أشد قسوتها، وما أشد جمالها ووحشتها.
الفصول أوراق شعرية إبداعية حارة وباردة. الخريف الآسر الذي ينتثر بكثافة حزناً ورقة
وشاعرية ملونة، المتدرج من الصفرة إلى الحمرة القرمزية إلى العراء البني والشحوب وحتى
حلول الشتاء، حيث التجمد والبياض والوحشة والمفاجآت غير السارة التي تفرض اشتراطاتها على
حركة الطيران، هجرة الطيور، سبات بعض الجمادات. ويتغلغل هذا بطريقة ما في حضن الورقة
البيضاء الميتة أو الذاهبة إلى مقارعة للموت لاستجداء الدفء والالتصاق بمكنونات الخصب
المرتقب الكامن في طيات العتمة. بانتظار انبعاث «أوزيريس» المتوالد في بيوت الفراعنة،
انبعاثات أسطورية تمتد في لاوعي الشعوب، أساطيرها وحكاياتها الشعبية. وتتوالى الانبعاثات
في قيامة المسيح من موته تجديداً وتمجيداً لدورة الحياة في الأرض.
للشتاء سيرة وجدت انعكاسها الروحي في أقدم الكتابات الفلسفية والصوفية وأشعار القرون
الوسطى والحديثة، وهذا ما نجده في كتاب بعنوان «الشتاء، بيوغرافيا روحية لهذا الفصل»
الصادر بالإنكليزية من تحرير غاري شميت وسوزان فليش. يتناول الكتاب سيرة الشتاء في عدة
أبواب إذ الشتاء فصل الحزن والدفن، الشتاء وقت للغوص في الروحانيات والإقتراب من الآلهة
مع الثقة والإيمان بقدوم الربيع. في هذا الفصل من السنة تزداد الحاجة إلى الشحنات
العاطفية ويصبح تقديم العون الروحي للمقربين والأصدقاء متعة متبادلة وحميمة. سيرة الشتاء
تدل على أنه كان أيضاً فصل النقاء الروحي وتقديم الشكر، فصل اللعب والسرور، إلى جانب
كونه فصل الكآبة والوقوف على حافة الجنون المرتبط برمادية وسوداوية الطقس، ندرة الشمس
وقصر ساعات النهار التي يعيشها بعض سكان الشمال الأوربي والأميركي. وتقول الدراسات أن
الانتحار في هذا الفصل يرتفع.
نصوص شتوية
نصوص متنوعة تدلنا على سيرة الشتاء في الشمال وبعض بقاع العالم، كالصين والهند وغيرها.
ترد تفاصيل الروح والمكان في نصوص ومقتطفات من القصة والرواية والأشعار، وهي تصف هول
البرد وقسوته على البيوت الفقيرة والأفراد الذين لا يملكون مصادر للتدفئة وثيابا تحميهم
في هذه المرحلة القاسية من السنة. كما وترد نصوص تتبلور فيها الحميمية والإيمان بالنور
الكامن خلف المنعطف البارد المتجمد المعتم الذي يضيء لنا بيت الحب. بيد أن الحب لا يزهر
في الربيع فقط، بل أن الشتاء أيضاَ يوقظ قناديل الحب ويمخر بأهوائه وعواصفه وحنانه في
طيات الروح العاشقة، شقياً مشاغباً مبدداً عتمة البيت والجسد. النصوص السردية والشعرية
مقتبسات من كتابات متفاوتة في التاريخ والمكان، لتبلور بانوراما المشهد.
بين طيات الكتاب نذهب لإضافة زيت إلى قناديل الشاعر الصوفي الهندي «سلطان باهو» 1691
نتقاسم معه نعمة الحب والإيمان به كخلاص مقدس ناجع حين تشتد الوحشة ويغمر الخوف والضعف
والضياع الكائنات. وهنا يقترن اسم الشاعر بالإله باهو. وهذه الفقرات من إحدى نصوص
الكتاب:
في الليلة الحالكة العتمة يومض الحب قنديله.
الحب رآني ضعيفاً فقدم إليّ، احتلّ بيتي.
كطفل مشاكس، لا ينام ولايدعني أنام.
إنه يطالبني بالبطيخ في الشتاء، فمن أين أحضره له؟
كأن الأفكار المنطقية جميعها تذهب يا باهو، حين الحب يصفق بيديه!
....
كل إنسان يطلب أن يكون إيمانه ثابتاً، وقلة تطلب ثبات الحب.
يسألون عن الإيمان ويخجلون من الحب، يا لهذه القلوب المتعجرفة!
الإيمان لا تصور لديه عن الأمكنة التي يأخذك الحب إليها.
أحلفك بإيماني، يا باهو، أن تحفظ حبي ثابتاً.
في الكتابة المهجرية العربية
مما يخطر لي وأنا أتحدث عن الشتاء والكتابة، هذا الركن الإستثنائي من الكتابة المهجرية،
فأتذكر قصيدة شتوية حفظناها عن ظهر قلب وعلى مقاعد الدراسة للشاعر المهجري رشيد أيوب.
يقول فيها «يا ثلج قد هيجت أشجاني/ ذكرتني أهلي وأوطاني/بالله قل عني لجيراني/مازال يرعى
حرمة العهد..» في هذه المقطوعة كأن الثلج خلفية للمشهد ونداء الحنين نحو الماضي ـ البيت
الأم.
أما الذي أن أطرحه كسؤال: هل كان الشتاء والعلاقة بالمكان وتحولاته الطبيعية والحياتية
حاضر مقيم في أشـــعار وكتابات المهجــريين الأوائـــل؟ أم بقي خلفية للمشهد الرئيسي
القادم من الذاكرة والذهن المبحر خيالياً في رحاب الشرق والحياة التي ابتعدت وتستعاد في
الذاكرة والأبجدية.
ربما نجد في جميع النصوص وبقوة ثيمة الحنين والعودة الخيالية صوب الشرق، إلى جانب الحس
الصوفي والفلسفي، لكن المكان بطقوسه وشتاءاته المتقلبة قلما تحضر وتشكل «ثيمة» ومحوراً
في بيت القصيدة. هذا مع العلم أن أغلب المهجريين الأوائل عانوا شظف العيش وقلة الموارد
ولا بد أنهم عاشوا المعاناة الحقيقية في هذا الفصل. هذا ونلاحظ أن لكل بلد طقوس شتوية
تختلف عنها في المجتمعات الأخرى وذلك تابع لتدرجات حدة الصقيع، ومدنية المجتمع ورخائه
الإقتصادي والتكنولوجي الذي يفرض أبجدية شــتوية بنكهات مختلفة. لاشك أن لســـعة
البـــرد في سـوريا تختلف عن صفعة وقرصة العاصفة الشتوية الكندية والتي تزداد حدة كلما
توجهنا نحو القطب شمالا وإلى بيوت الهنود الحمر! فهل ينتبه الكاتب العربي لهذا الجوار
ويكتب بعضه؟! هل تحمّر خدود القصيدة، أو يتقشب جلدها أو تمشي منكمشة على نفسها في
معاطفها الثقيلة، أم أنها تمضي في أسرارها غارقة في الضباب، مبتلة بمطر الحنين والشجن
والتوق إلى الماضي الذي لم يكن نعيماً؟!
أعتقد أن الكتــابة العربية في هذا المجال لم تنجز «خصوصـية شــتوية» بعد، رغم أنه نصادف
نثرات من النشرة الجوية اللندنية في دروب قصــيدة الشــاعر سـعدي يوسـف أو يلفنــا
الضــباب والعتمة ورائحة القهوة والدخان ونحن نقرأ «يوم في حياة فاضل العزاوي»على سبيل
المثال. بينما نجد في تورنتو قراءات أدبية ثيمتها الإحتفاء بالشتاء وفضحه واللعب
بثلوجه.
ومابين نوافذ الروح المطلة على الداخل ودفئه وشقائه وجنونه، وبين الخارج الرمادي الضبابي
الصقيعي تستيقظ الأرواح والأقلام عند درجات الحرارة الناقصة جدا، وتحتدم شهوة الإنسياب
في جسد الآخر، في حضن الدفتر أو يحملها التوق للنور. الكتابة فصول وحياة، من أجلها نحرق
الشتاء لينبعث العالم من رحم الموت إلى الخصب والقيامة والربيع.
جاكلين سلام/ تورنتو كندا
www.jackleensalam.com
bread_rose2@yahoo.com
السفير 13 يناير 2007
|