|
أعشـــاب
النص المشترك مع الشاعر عبد الرزاق الربيعي
(1)
- وبعد نزف حتى الرماد
وجد أصدقاءً
وتناسى انه اشتاق للمطر
مساء، يحصي غبار الطباشير على حجرات قلبه
يأخذه النعاس
وكلما أراد رسم غيمة
انفرطت بين أصابعه الالواح
- هكذا رآها، ترقص على راحة الثلج
بلا قبعة
ولا فيروز
ولا وطن
ولا ادنى شمس
وعادت تحترف الوحدة،
أنتظار مالايأتي
لذلك أسماها طفلة الثلوج
(2)
- وأصبحت ْ غيمة
والغيمة لا أصدقاء لها
الا البرق
وجذور الارض
تقاسمت وحشتها مع النجوم
وراحت ترقص شظاياها
وكان القمر شاهداً
- كان المطر شاهداً على اندحارات صهيلها
في البراري المعشوشبة
والريح تودع في قلبها
آخر نفحات الإله
لتحيل الطين اللازب الى وردة
مشرعة للنهارات البعيدة ، بلا تردد
واكتفى لوح القدر بالعويل
والموت على الطريقة السريعة
عند تقاطع السموات
(3)
- ذات ليل،
أودعت جسدها في بالونات، وأطلقته
احتفظت بالخيط في يدها
وبقي الجسد معلقاً
يرقص بين الملائكة على ايقاع الضباب
وحفظت جراح السموات أغانيه،
عن طفلة الثلوج
كل ليل، تصهل المراكب في دمه
وتهيم على أصابعه
قامات، أشرعة
ودموع راحلة صوب اللاجهات
- صوب البحر النائم على صدرها
وتنبت،
كالسيف في الخاصرة
كالسر في شفة عاشقة
يناديها الى أن يسقط صوته من الاعياء
يقبلها الى أن تعتلي صهوة مهجته
ويطيران بعيداً
خلف السماء
(4)
وخلف المساء، بعيدين يحطان
يترنح بينهما جدول الصوت
ترتشف قطرة
فتذوب
نسيتْ أنها من ثلج
وان الثلج يعود ماء
والماء غيمة
والغيمة لا أصدقاء لها
الا البرق
وجذور الأرض
ولها الذاكرة
كأعواد الثقاب
والواح الطباشير
- ويبقى لها غصنها المعبأ بالمطر
والضوء
تبقى لها الأمنيات الشائخة
منشورة على حبال الوقت
ويبقى لها _ هو _ بكامل
وحدته
(5)
- وبما تبقى لها من ليل
تغتسل بكلماته، حفنة، حفنة
فتندمل المسافة
ما بين عظام الأرض وجلد السماء
- واذا ما زلقت الشمس في طريقها
تمشط حروفها
وتمسح بالاضواء المكعبة عينيها
تتعثر بخطوها في الممر المفضي اليها
تعانق ظلها
وتقول: صباح الخير حبيبي!
يسألها: لماذا؟
(6)
- يتعانق خطوها وظله
في وعاء الصمت المندلق حولها
يشحب قلبها اذا سمعت وداعا
وكلما قال لها أحبك ِ
تهز كتفيها وتسير
الى أين؟
تهز كتقيها ثانية
في كفها ملح تنثره مع كل خطوة
أتبتغي تحديد معالم العودة؟
- الطرق مقفلة
والجسور الملتفة على الأعناق
تفتتت
وهي تسير حافية الدمع
تبحث،
عن وجهها بين ثلج الوجوه
تبحث،
عن مدينتها الاولى
في صقيع السرير
وفي طوابع البريد القديمة،
القديمة
(7)
- سالكة بصعوبة، ممرات الذاكرة
ويتناهى لسمعها صوت يحاصر نعاسها
ماذا تريد؟
أريد ان أحدثك ِعن القلب
ها......دعني لغفوتي الآن!
يتلعثم، ربماأحدثك عن العقل
تقفل النوافذ
ويتواشج الحنين
الى ذاك الذي كان يسميها، صديقة الحزن القديم،
بئر النجوم
ذاك الذي كانت ألحانه تغطس نجوما
في عينيها المقيمتين– أبداً– في الحزن
- أما هو، فقد تعرى على شطآن وحدته
بين الطفولة والرمل
وركض
حتى وخزته وردة
ظل حائراً
أيعود الى قبره المدجج بالعناكب،
أم يواصل التسلق على صخور السماء
في مجاهيل عالمها السفلي؟
( 8 )
- أعتقته الحيرة، وهو يقضم الوجع الناشب
اذ ارتمت بين أصابعه،
وردة تعتذر عن زمن الخسارات
ووردة تأخذه برفق
هيا
لنرسم على رملنا
نخلة ترقص
عريشة تصب النبيذ
ياسمينة ترتل العطور
وبينما..
أفرد نورس جعبته
وليمة: تمر عراقي، زعتر حلبي، من السِما
حامض حلو، غزل البنات
وطائرات ورقية شبه مهترئة
- يا لدمعته
التي تجمرت في أثر الغروب
والفناجين المقلوبة كأمم بائدة
تحت سعير تنور امه
المسرج بالطين والتبن ورائحة أتعابها
خبزها الحار، سيظل ينتقص وليمته
وستظل_ هي _ تنتقص اشتعالاته
على ساحل الليل
عند هبوطه الى البحر
المعبأ بجثث الأسماك
وحفاضات الأطفال
( 9)
- يا لقدرها أمنا
التي ينقصها كل شيئ
الا الانتظار الفادح
بلا كلل توقد الشموع لدروبنا
ونغرق هنا في المتاهة
ترتل حنينها
في حضرة أطياف أحفادها الذين يمتشقون جدران البيت
تغفو قليلا
تفزع الى جهاز الهاتف _ الذي لم يرن أصلا _ تصيخ السمع
وتعود الى قدرها النصف مكسور
تخفي عن والدنا ما يجول في طين الذاكرة
كيف أقول لها : نامي أمي، نامي
ان رأسي على صدرك الآن، دعيه ينام
وان هذا الذي يقطر من شعري
ليس دمعا
انه المطر
وهذا الذي ينهمر من أصابعي
ليس حبراً
انه الـ...؟!
وأكفكف الكلمة الاخيرة
أمنا الحبيبة، نامي لأعلن في غيابك ملء السماء :
ينقصنا
ينقصنا كل شيئ
- ها هي تمارس الجنون
والغياب
على زرقة "الهوت ميل"
تمارس حنوها على دموع أصابعه
ورذاذه
وحين تلقاه
تلقاه بجرح مدهش
ينوء
بحمل غبار
ألف سنة مما تعدون
(10)
- غجرية
ويهبها الفضاء
فضيلة الرقص حتى الرماد
وقبيل الغياب
ترتعش نجوم على أهداب ثوبها
تتوهج في قدميها العاريتين
أغنية تقتادها للرحيل
بعينين مغمضتين
تنسحب الى دواخلها
وترقص
ترقص حتى يجن الغبار
ويندمل كحد الدهشة
ينبوع أصابعه
في زرقة ثوبها المشلوح حد السماء
...
جاكلين سلام/كندا
عبد الرزاق الربيعي: شاعر عراقي مقيم في مسقط
عام2002
* نشر في صحيفة الزمان بعنوان(أعشاب الهوت ميل) ثم تغيير العنوان الى (أعشاب).
تلقينا عددا من الانطباعات والاراء من قبل الاصدقاء الشعراء... ونظرا لاهيمتهاقررنا
الاحتفاظ ببعضها ونشره في الموقع. وتجدون الاراء في قسم مقالات-مقالات نقدية كتبت عن ج.س
- تهمنا ارائكم النقدية حول هذا العمل المشترك...
jackleen@jackleensalam.com
|