|
بطاقة إلى آذار (مارس) 2003
الحادي والعشرون من آذار(مارس) عيد الشجرة في العراق وها النخيل يتضرع
الحادي والعشرون عيد الأم في بلاد الشام، وها أمهات في أماكن كثيرة من العالم يتحولنّ
إلي دريئة والأطفال يتساقطون، قتلي وشهداء وجياع...
الحادي والعشرون من آذار(مارس)، يوم عالمي للاحتفال بالشعر، وها الكلمة تشحذ روحها
وتتسول الربيع والخصب...
جاءت هذه المشاركات من الشعراء والشواعر العرب، بعضها قصيدة وبعضها قصة وبعضها سرد،
جواباً علي نداء من الشاعرة جاكلين سلام. ليقل كل كلمته بالطريقة التي يرغب والمصب واحد:
أميرة سلامة.... وكيف أعلم أن تلك اللعبة ستلتهم رجلي ولساني... آه لو لم أرها
جمانة حداد ....(أمّـي التي تركت نخيلها يسهر مع الندي إلي أن ينام الندي، ما بال
يـنابيعها تـتيه في لجّـة الحلكة؟).
جاكلين سلام ... وماذا سنفعل يا بسمة حين الطائرة يقودها رجل أعمي
عبد الرزاق الربيعي.... العسكريون، لماذا يملأون حقلنا بالألغام يا أمي
نبيلة الزبير ....من أين كان لرقية أن تعرف / انه بمجرد وقوفها / بميدان التحرير تتجمع
كل هذه البقع من عوادم العابرين / في خرقتها
فضل جبر.... تجيبني أمي بلهجة حادة / بأن القنابل لا يهمها أن كانت تلبس حذاء أم لا
علي سفر .... لم يبق منهم سوي رسم أقدام علي تراب جامد/ مائل إلي سواد يذكر بالقنبلة
بطاقة إلي آذار(مارس) نكتبها معا، وقد غداً معاً، ذات عام يرفرف الأطفال في الحقول كالحب
والورد والفراشات.
جاكلين سلام
اذار 2003
**
لعبة... ولكن
أميرة سلامة/قاصة من سوريا
لم يكن اللعب لينتهي، لم يكن له وقتاً محدّداً، أتساءل ماذا كانت لعبة البدء؟ هل هي شجرة
تفّاح يلعب بين أغصانها آدم وحواء وصديقتهما حيّة؟ لمََ جذبتني تلك اللعبة بالذات؟!
أكانت هي اللعبة المحرّمة التي حذّر جدّي من لمسها ولم أكن أدري؟!
هل كان بخيلاً كي يطرد أبي وأمي من البيت ـ كرمال ـ تفاحة؟ ولكن.... رغم ذلك لم يقطع
لهما اللسان.. الأرجل والأيدي!!!
فلمَ لم يعاملني بالمثل؟ لمَ لم يطردني من الحقل قبل أن ألمس تلك اللعبة اللعينة؟
رغم الصّقيع كنت أركض وحسناء، ابنة عمّي في الحقل، فاليوم عطلة ولن نذهب إلي سجن
المدرسة، ها هو الياسمين يغمرها يغمرني.. لطالما يتساقط الياسمين علي رؤوس الجبال...
نلملمه أنا وحسناء... نبتكر منه رجلاً وامرأة من ياسمين!
لم يكن اللعب ليذوب، حتي تشترك معنا في اللعب ساحرة تدعي الأرض، تُخرج من أكمام معطفها
شقائق نعمان، شجراً يغصّ بعصافير صريحة الرّأي، من القبّعة نهراً ثرثاراً، وتطلّ من
الجيوب مظالّ صامتة، صغيرة منفتحة صفراء، بنفسجية اللون، يجلس تحتها زيز الحصاد يلفّ
رجلاً علي رجل... واضعاً كفّه علي خدّه... يتأمّل مشاريع نمل لا تنتهي!!
لم يكن اللعب لينتهي!
لم جذبتني تلك اللعبة بالذات؟ إلهي لم مدَدْت يدي أتفحّصها؟
كان لونها أحمر... ملمسها قاس... شكلها مدوّر مثل كوكب.. وكيف أعلم أن لعبة مثلها ستلتهم
يديّ رجلي ولساني وتبقي علي وجهي وجسمي؟
آه، لو لم أرها!
لو ظللت أركض وراء الفراش، ولم أنظر إلي زيز الحصاد والنّمل؟
كم هو ضيّق هذا الكرسيّ، مع أنّه من الخشب!
حسناء.... لم لا ينبت خشبي؟ لم لا يعربش التّوت والأكي دنيا والدالية علي شبّاكي؟
لم لا تفيض بلدتي، فأطفو أنا وكرسيي فوق الماء، أدور وأدور حول الغابات ولا أغرق؟!
وأين تلك السّاحرة التي لا تنفكّ تلعب مع الفصول، لم لا تُنبِت لي ذراعين جديدين ورجلين
ولسان للحكي؟
حسناء... هل الورد أفضل مني، يغيب متي شاءت هي ويطلع متي تشاء؟ لم كل شيء يتجدّد إلا
خريف هذا الجسد؟
كيف تموت الحرب لتحيا مع بسمة شبحية للعبة تغوص بين النّمل ويغوص بينهما لعبي؟!
حسنااااااااء....أين أنت؟!!!
* *
حين يقود الطائرة أعمي
جاكلين سلام
روضة: سمعتُ يا بسمة، أمي تحدّث الجارات، عن أنّ قريباً، رجلاً أعمي سيحلق بطائرة ضخمة،
ولأنّ الرجل أعمي سيصطدم بطائرة رجل آخر أعمي، و ستسقط قذائف بعيون شريرة في كل مكان.
ماذا سنفعل يا بسمة، حين الطائرة يقودها رجل أعمي!
بسمة ــ تململم طفولتها الشاحبة ــ لا عليك يا روضة، سنأخذ كل ما نحتاجه، إلي هناك، وحين
يقصفنا رجل أعمي! سنأخذ دفتر الرسم، لقد رسمتُ منذ أشهر كل ما نحتاج، رسمتُ أمي، رسمت
أختي الصغرى، رسمت صورة أبي المعلّقة، رسمتُ حديقة الدار، الأشجار، الساقية والألة
الموسيقية... رسمتُ صديقاتي ومعلمتي، ورسمتكَ أيضا يا روضة في الصفحة الأولي، لأنكِ
صديقتي الأقرب...
وإن قصفنا الرجل الأعمى، سيكون دفتر الرسم في حضني وسأنقلكم إلي هناك...
روضةــ مندهشة، تتلعثم ــ أين يقع هذا (الهناكَ) الذي يتحدث عنه الجميع وأنتِ؟!
بسمة: لا أعرف ياروضة. ما دام الكبار يتحدثون عن مكان هناكَ، فلا بد أننا سنلتقي هناك!
وبلا ثرثرة الآن، فكري ماذا ستأخذين معكِ إلي هناك، إذا قصفتنا طائرة يقودها رجل أعمي؟
روضة ــ توشوش صديقتها بارتباك خجول ــ وهل رسمتِ حازم ابن الجيران؟
بسمة ــ بتأفف ــ نعم رسمته، فقط لأجلكِ، رغم أنني لا أحبه
بسمة: أنا أيضاً رسمتُ في دفتري... رسمتُ أشياء أحلم أن أكلها، أحلم أن نأكلها معاً،
ربما هناك... رسمتُ دجاجاً مشوياً، كثيراً، فاكهة وحليب ودواء... أنظري!
ــ يسيل لعاب بسمة، تضم يدها الصغيرة علي بطنها الفارغ وترقب السماء ــ
تختنق السماء بالطائرات، تزأر القذائف، تتساقط قامات وأشلاء ووجوه. تبكي منهارة معالم
المدينة.
بسمة وروضة يتمسكان ببعضهما، يتمسكان بدفتريهما، يموت الصوت إلا هدير الطائرات التي
يقودها أكثر من رجل أعمي!
كلّ مساء، هناكَ، أراهما يلتقيان. يعدان المائدة والأسرة والجوار، يقتطعان كل صورة علي
حدة...
تتمتم بسمة: هذه ماما، هذا بابا، هذا بيتنا، هذه شجرة التفاح، هذا حازم، وهذا...روضة تمد
يدها إلي أوتار الألة الموسيقية المرسومة في الدفتر، ينبعث اللحن، تتداعي الصور أطيافاً
مذعورة، تتشابك، ترقب السماء، تتذكر: ماذا حصل، وماذا سيحصل حين الطائرة يقودها رجل
أعمي!
**
صلاة ابن بغـداد
جمانة حداد /شاعرة من لبنان
أنظر عبر نافذتي المطلة علي سيف الموت الأعمى وضوئه الأسود، فلا أري الا مدينة مكللاً
وجهها بالشوك. وجلادين. وجلجلة.
أمّـي التي يشقّـها النهر كقصة حبّ لا تـنتهي، ما بالها تـتأوّه كمثل امرأة متروكة في
العراء؟
أمّـي التي يحملها الهواء من فرط أنوثتها، ما بالها تسقط في الظلمة من يد الهواء؟
تلك التي أقـامت علي ضفّـتيها مرا فيء لرسوّ الدموع والنظرات
تلك التي أنزلت سمـاءها لتسهر مع غربة الساهرين
تلك التي دعت اللغات جميعها لتـتلاسن وتـتآخي
تلك التي أومأت للشعراء فجاؤوا بمعانيها
وللحكماء فـفسّـروا ما غاب من أسرارها
وللتائهين فاهتدوا بما فات من طيشها
وللعطشى فارتووا بما فاض من دجلتها
وللمغلوبين فاندملوا بما اكتمل من حنان جروحها
أمّـي التي تركت نخيلها يسهر مع الندي إلي أن ينام الندي، ما بال يـنابيعها تـتيه في
لجّـة الحلكة؟
تلك التي غفت لتـلملم أحلامها من مياه ألف ليلة وليلة المهدورة
تلك التي اخترعت حكايات الفتـنة والغبطة كي تعيد الملك إلي رجولة صوابه
تلك التي فتحت الكتب فاستسلمت لها رموز الطقوس والتعاويذ
تلك التي تـفـتّحت حكمتها كباقات الورد وتورّدت جواريها باحمرار الشفـق واكتمال الشبـق
تلك التي تمدّدت لتـعدّ النجوم وتستعيد ما ضاع من غيومها
تلك التي ذهبت إلي كل المدن وتركت قلبها فيها
تلك التي جاءت كلّ المدن إليها وتوّجـتها ملكة
أمّـي التي تُـدعي سـيّدة الماء والظلال، ما الذي يجعل جدائلها متروكة لشرور العاصفة
وقلبها لمناقـيد الكواسر؟
أمّـي التي تُـدعي بغداد العظيمة، ما الذي يعطيها مفتاح سلامها كي ترجع إلي بيـتها
المتعب من الانتظار؟
ما الذي يعيد إليها شاعرها الهائم في أرض اليباس واليأس
كي يحمل إلي أطفالها نـشيج الأمل وأنـشودة المطر؟
السماء حمراء
عبدالرزاق الربيعي
السماء حمراء
لماذا يا أمي؟
* والدخان أزاح الهواء
في رئتي
لماذا يا أمي؟
* وقدمي؟
أين قدمي
التي دفنوها بعيدا
عن قريتنا يا أمي؟
* والعيون التي كانت
تشع بالغناء
لماذا اطفأوها يا أمي؟
* والعسكريون
لماذا يملأون حقلنا
بالألغام يا أمي؟
الألغام التي أبعدت عني
اللعب بالحقول
التي أحرقوها يا أمي؟
* والصافرات
لماذا لا تتوقف عن
الصراخ كلما
مرت الطائرات يا أمي؟
* وثديك لماذا يابس
مثل حقل أبي يا أمي؟
* وأنت لماذا لا تتنفسين
منذ حفر الضابط في صدرك
كل هذه الحفر الحمراء يا أمي؟
* *
من أين كان لرقية أن تهرب
نبيلة الزبير /شاعرة من اليمن
في الخرقة التي كان علي رقية أن ترتديها
كل يوم
تتجمع الألوان المائلة إلي التمزق
ترتّق بأظافرها لون القرفة
وينفرط في المربَّع الإسمنتي
الذي نسي أن يحلق لحيته
قبل أن تجلس في الرصيف
الذي تتمزق مربعاته
لأن الذين يجلسون ينسون أن يسرّحوا
أقدامهم المرصوفة كأسنان المشط
في الخرقة التي كان علي رقية
أن ترتديها
بقعة حبرٍ تمحي
كل يوم
هكذا هي الأصباغ التي تندلق دون أن تدفع ثمنها رقية
لهذا ستشتري الأصباغ التي تخبئ اندلاقها بأهداب طويلة وملونة
بهذه الفرشاة فقط
يمكن لرقية أن تغسل
خرقتها الممرغة
بمزق الرصيف
كل يوم
رقية لن تشتري الأصباغ
لأن أثمان اللبان الذي تبيعه
للسيدات والسادة راكبي السيارات المفخخة
لا تفي إلا ترقيع خرقتها
من بقع اللبان المبصوقة
التي تجلس عليها
كل يوم
لا تدري في أية يقطينة كان
علي رقية أن تغمس خرقتها
قبل أن تخرج إلي الشارع
ليبتعد مائة قدم
العاشقون الذين يسرقون سعالها
يعيدون إليها قفص عمرها فارغا
إلا من نزيفهم
كل يوم
ربما كان علي رقية أن تحرق خرقتها
قبل أن تلتقي به
المتسول الذي أعلنت عليه الحب
ذات لقمة مكسورة إلي قلبين.
ربما كان عليها أن تّدارك مزاجه
في جمع أعقاب السجائر
من أفواه المولعة
بتقشير الحرائق الملونة
قبل أن يلقوا بها من نوافذ سياراتهم
رقية لن تشتري اللون الأزرق الذي ينسرب من خرقتها
كل يوم..
ولن تدفع للإسكافي ثمن خطواتها المنزوعة
من قدميها الشائكتين
لأن رقية لن تخرج إلي الشارع
أيام الانخراط بالمظاهرات..
حيث حبيبها يجمع أعواد الثقاب
من جيوب الثورجيين
وعمال النظافة
والباعة
والذين يدهنون الهواء بأصواتهم المصفوفة كأسنان المشط
ولن تبيع لبانتها
في الإشارات التي تقف عندها السيارات
بالأبواق السريعة المضغ
بماسحي الزجاج
الذين ينسون أن يمسحوا
وجوههم في الملصقات العاكسة
من أين كان لرقية أن تعرف
أنه بمجرد وقوفها
بميدان التحرير
تتجمع كل هذه البقع من عوادم العابرين في خرقتها..
**
رأيتهم
علي سفر /شاعر سوري
رأيتهم
ورأيتُ أقدامهم
استدارة سعيدةً وتراباًً
يحتمل سيرة الغائبين
قطع حديد صدئت
مرت عليه أياديهم وهي تئد الأيام
في هلام الأيام
وقد نتبع الخطي فنصل ما خبأناه في الأغنيات
من كبواتٍ وآبارٍ
كدنا نقع فيها
وفخاخاً فاشلةً الى أقصي طعم الطيور
حين يحترق لحمها بشمسٍ خرجت فجأةً
ولم نستطع حيال فجرها أي مديح..
قد ينفع التآخي بين الغائب في عمق الحكاية
وبين ذئابٍ تنتظر مغيباً كي تنهج سبيل الريح ..!
لم يبق منهم سوي رسم أقدامٍ علي ترابٍ جامدٍ
مائل الى سوادٍ يذكر بالقنبلة..
**
حين يكرر التاريخ أخطاءه
فضل خلف جبر:
قبل أثنتي عشرة سنة، كان العراقيون يعيشون الأجواء المسعورة ذاتها التي نشهدها
اليوم! اذن فالتاريخ يعيد نفسه ويكرر أخطاءه بشكل لم يسبق له مثيل.. إنها
سوريالية خالصة أن تشاهد المسرحية المأساوية ذاتها، بنفس السيناريو، بالكادر التمثلي
نفسه، تتكرر بأقبح صور استنساخ التاريخ لنفسه. فما الذي يحصل أمامنا
حقا؟ إنها ليست مسألة (تاريخ يعيد نفسه)، إنها أكبر من ذلك بكثير.. إنها تعني
اضمحلال الإنسان وتضاؤله.. تعني أن العقل البشري ما عاد يرتقي ويسمو.. بل يتجه
نحو نكوص تراجيدي مرعب.
قبل اثنتي عشرة سنة، كان العالم يكتم أنفاسه، كما يفعل الآن. ولم يستطع العقل البشري أن
يفعل أكثر مما كان!
أتذكر الآن (وهل بامكاني أن أنسي؟) الجو الكابوسي الذي كنا نعيشه. فقد أدت
إصابتي بحادث سيارة الى تعرضي لكسور في أجزاء متفرقة في جسمي، واضطراري، نتيجة
لذلك، إلي الخضوع الى علاج طبيعي لوقت طويل. وعلي هدي (ربّ ضارة نافعة) فقد
جنبني ذلك الالتحاق بوحدتي العسكرية، حيث كنت حينها مكلفا بالخدمة الالزامية
بعد تخرجي من الجامعة.
وحين بدأ القصف وقامت قيامة الجحيم الأمريكي، قررت أن أفضل شيء يمكن أن أفعله هو أن أدون
مشاعر اللحظات أو الساعات أو الأيام الأخيرة في حياتي، فما كان أحد ليتكهن بما يمكن أن
يحدث أبدا! شرعت في كتابة (عمل)، يصعب علي تصنيفه اجناسيا،
وسميته (حينما في الأرض). لحسن الحظ، أو لسوئه، لم أمت من جراء القصف
المتواصل، والذي طال كل شيء، بما في ذلك جسر لا يبعد عن بيتنا سوي بضعة أميال،
وقد كان صوت تدميره ليلا يصمّ الآذان.
انتهي فصل العدوان الأمريكي، بعد أن ترك العراق والبشر الذين يعيشون فيه وبناه
التحتية في حالة انهيار كامل، ليبدأ فصل الهيجان الشعبي. فصل كارثي ثان كان
العراق والعراقيون علي موعد معه. كنت حينها أرقب وأري وأسمع! وكان قلبي يتقطع
حزنا وألما. ها هو الجيش يتقدم بجحافله نحو مدينة الناصرية، قذائف المدافع تسقط
كالمطر في كل مكان! أهرع الى الكتابة.. لا أحسن فعل شيء كالكتابة.. قررت أن أكتب
وصية/ شهادة..
----
* نشرت في صحيفة الزمان 2003
* نشرت في جهة الشعر
ومواقع أخرى
|