أنا المنـــفى ...
  


0 
والخريف إذا بكى 
غيمة من رماد تتلعثم 
تخدش أسمال الحقيقية. 


1
كنت صغيرة السن يوماً وأتمنى العمر صيفا . لم أكن أملك حينها أحلاماً كبيرة، وربما حتى
صغيرة، ومتعتي الكبيرة النوم على السطوح . كانت النجوم ترقبني، أرافقها في رقصها المتوهج
عبر مساراتها اللانهائيه، أشهد سقوطها حتى استحال لوني فضياً شاحباً 
كنت اجيد الرحيل مع الغيوم على أراجيح تحتضنني، وما أدهشني انني لم أكن أسقط! 
سألتني أمي ذات مرة: تبدين متعبة وكسولة النهار كله يا أبنتي، الحياة تحب الاقوياء 
قلت : النجوم ياأمي لا تدعني أنام، رغم اني لا أحاول عدها!
ردت بابتسامة غير صريحة : " انشاء الله تعدي نجوم الظهر، هيا أمامنا عمل كثير "

انني جدة الآن، وليس هناك أشياء كثيرة أستطيع القيام بها
أحفادي لا يحبون حكاياي  وخاصة عن النجوم في عز الظهيرة ولا أشعر بالغبن منهم، أعرف أن
اكثر ما يشغلهم اليوم هو نجوم هوليود ونجوم الرياضة

ما زلت أنتظر طفلي الذي سيسمع حكاياي ويحفظ أسرار النجوم قبل أن يصدأ لساني
هل سيضع رأسه على صدري ويقول: آه أمي، أعتذر عن التأخير؟
وقد لايأتي طفلي أبدا....
فهل لديكم قليل من وقت لحكايا الجدة ونجومها ؟


2
لم أنجب على الاطلاق، أو هكذا خُيل الي 
ولكنني كلما رأيت طفلا يرضع ثدي أمه ينتابني شعورعميق بأنه طفلي الذي ضاع مني في
المتاهة
بكثير من وجل تمتد يدي الى صدري، وأكتشفُ أنني امرأة فقدتْ ثدييها أيضاً.

3	
أتفقنا أنا وصديقي أن نلتقي في السبعين، كان ذلك منذ زمن بعيد . في الموعد المحدد، لبست
بنطالي الجينز وحذائي الرياضي . انتبهت لطاقم الأسنان الجميل في فمي، ضحكت وقلت لنفسي هل
سيكتشفه؟
في منتصف الطريق اليه، وربما في أوله
تذكرت أننا دفنا البوصلة- يومها- تحت شجرة سنديان 

 هل يعرف أحدكم الطريق الى السنديان؟


4
أول رجل تعرفت عليه أهداني حمالة مفاتيح  وكذلك الرجل الأخير 
المدة الزمنية بين الأثنين أكثر من خمسين عاماً 
وما زلت أحتفظ بهذه الهدايا بين أشيائي غيرالثمينة، لانني أصلا لا أقتني أشياء ثمينة 
تقدم بي العمر وما زالت مفاتيحي ضائعة وربما ستأتيني عبر البريد المستعجل 
بل
ليس مهما بعد ان كانت ستأتي أم لا. 


5
عانيت منها، مصابيحي تحترق في فترة قصيرة، ولا أخفيكم أنني أشعر بالغيظ من تبديلها بأخرى
لأسباب كثيرة، أولها أنني قصيرة القامة وهذا يرجع لأسباب لا علاقة لها بالجينات
تناسيت تلك المصابيح، تعايشت مع  الشموع الأكثر شفافية وأحتراقها يراني  
لم أكن أعتقد أنها ستتسبب  بحريق في بيتي 
السماء مطفأة الآن، ثمة نور ما زال يضيئ عتمتي 
لن أحدثكم عن مصدره، لا لأني لا أثق بكم، بل أحبذ الاحتفاظ  لنفسي بالتفاصيل الهامة وحتى
التافهة من وجهة نظركم.


6
صديقاتي يشكين كثيراً من أزواجهن ومع ذلك يفضلن السكينة 
أنهن يخفنَ الوحدة 
أعيش وحدتي الأبدية لانني أخاف على نفسي التي أنتشلتها من حلق الحوت بعد أن فقدت أصابعي،
أو كما خيل الي حينها 
لا أصابعي بخير ولم أفقد الكثير والا كيف أكتب لكم الآن!

سحبتُ الطريق اليّ من أذنيه وتعلمت كيف أتقاسم الفراغ مع ذاتي 
ولكن ما هذا الحلم الذي يراودني دوماً عن ثمة رجل يسكن جلدي وألده كل مساء!


7
وبدأت مشكلتي من الطريق الى العمل 
أصادف كل يوم المرأة " المجنونة" ذاتها، انها تحب تنظيم السير في مدينتنا المتضخمة
بأطراد واقفة في ذات المكان كل صباح تشير الى العابرين بصرامة جادة:
انكم تسيرون عكس الأتجاه، هذا اتجاه الهاوية، هيا الى الجهة الأخرى
كنت أخاف صوتها وأصدقها- لا أعرف لماذا-؟ وبلا ارادة مني رحت أغير اتجاه سيري،
أسير وأسير بلا أي هدف
استلمت موخراً رسالة من الشركة التي أعمل فيها مفادها "  استغنينا عن عملكِ  لعدم
الالتزام ....." 
أتلقى الخبر الآن  ببرود شديد . سسأعمل أيضاً في تنظيم السير .


8
صغيرين كن، ومرارأ طلب مني ألا أترك أسمه بين أوراقي 

الآن لشد ما أفكر بقتل المترهل من ذاتي 
فيخطر بذهني أن أنفذ وصية صديقي الصغير

أذهب الى أوراقي المجعدة، فأجد المخلص هناك، 
وبسخاء أذرف بقاياي.


9
التقطَ شوكة وردتها صفراء من طريق غابة مشينا فيها طويلا، صامتين 
على مفترق الغابة بشحوب قبلني، بعويل ضغط على أصابعي 
طلبتُ منه تلك الشوكة الغريبة تذكاراً
بهدوء أجاب : لا،لا أستطيع لن أهديك أياها، انها مع كل جمالها، شوكة!

لم تعد قدماي تقويان على السير في أيه غابة وما زال حلم يراودني، أرى يديه تحاولان
أجتثاث الشوك من عينيّ

هل قرأتم يوماً عيوناً تنبت فيها الأشواك؟

10
لست - كما أعرف نفسي- فضولية 
كلما ذهبت الى مقهى " تحت الشمس "، أشعل سيكارتي فتحتضنها المنضدة، 
ويتكاثف في قلبي الدخان
أنشغل طويلا بمراقبة وجوه لا تعرفني، أحادثها بصمت، وبلكنة غريبة حتى عني
ربما هذا ما يمكن أن تفعله امرأة في مقهى أغلب رواده ثنائيات .


11
مزدحم المكان كالعادة، 
ثمة قاطع زجاجي يفصل  الثلج المتراكم في الخارج عن الثلج الغائر فيّ 
أرقب وجه الرجل الوحيد على الطاولة المجاورة وعبر الزجاج 
أراه يتمدد ويستطيل على صدر الثلج و تتبدل أنعكاسات الضوء عليه
أراني وحدي من يذوب
لا تصدقوني بعد اليوم ان أدّعيت أمامكم لأسباب شتى، أنني من صوان .


12
- لمن هذه الصور الكبيرة في صدر البيت ؟
ردت سعاد بمباهاة : هذه صورة أبي والأخرى صورة جدي 
ساد صمت قصير مرتبك ولكن تانيا سألت ثانية :
- عذراً، ماذا  يعمل والدكِ ؟
أرتبكتْ سعاد في الرد : ........أبي ..........أبي أنجب أربعة عشر ولداً، أما جدي.....
- قاطعتها تانيا : فهمت .....فهمت الآن ...

عدنا الى جدران بيوتنا وربما أعدنا النظر فيها
أليست جدراننا تُفصح أيضاً ؟

13

كلما تشقق جسدي ليلا ، أقوم بسقاية الزريعة في الأصيص وأحاور النوم 
أستيقظت ذات صباح، كان اللبلاب، وثمة أعشاب برية تعرش على قامتي 

أكانت تلك قامتي أم قامته ؟!

وحين سمعته يتحدث عن وطاويط تسكن جنبات الظلام أخذت قوسي والنشاب صوبته نحو أحشاء العتمة
. 
وكم أدركت عميقاً ابتهالات حبة رمل في صحراء.


14
لم تكن تشغل بالي الفواتير ولا الحسابات 
في الآونة الأخيرة باتت تصلني فواتير ومستحقات تستحق الوقفة لسبب ليس تافهاً كما قد
يتبادر الى أذهانكم 
آخرفاتورة كانت :
 1- ثمن  مناديل الدموع - ذات الطبقين- التي أستهلكت في انتكاستكِ الاخيرة
2- ثمن الأوقات التي قضيناه  نضحك و نبكي 
3- ثمن حريتك  
4- ثمن الحب، ثمن الحوار و ثمن الغبار و.....

لم أعد واثقة من ان ذلك حصل حقا، أم شاهدته في فيلم حديث.  لعلمكم، منذ زمن بعيد، أتخذت
موقفاً من أفلام الحداثة وما بعدها، باستثناء بعض أفلام الكرتون

أعتقد انها وصلتكم مثل هذه الفواتير، وربما أدرتم لها ظهركم
ألا تخشون من فاتورة قادمة يكون فيها ثمن الخنجر الذي سيطعنكم ذات صباح؟


15
ولكن المحتفى به قاطع الهرج بسؤال حاد : نخب من ؟ 
رد الصديق ثملاً بالفرح : نخبكَ، نخب عودتك من السجن،الينا!

- ولكن الذي عاد ليس أنا...
-	
نظرتُ الى العريشة الصغيرة التي حملتها هدية اليه، 
كانت أوراقها تتساقط خضراء، وكان يرقبها، أيضا!ً

ترى، هل أستطاعوا أخذ "أوديسيوس" أيضا؟


16
اقترفت ذنوباً كثيرة، وانني أحببت 
تقوس قلبي وما تزال أوتاره مشدودة وليست تقتفي آثار البيادر
وحده الذي سيحول بقاياي الى شعلة، هو ما يحفز أعماقي .


17
كيف يقاوم النصل رائحة الدم وهو ينحر رقبة الحمل
أيستكين منتشياً بعرس الدم الطازج، أم يشحذ الهمة لقتل أكثر اثارة؟

ما يشغلني أكثر، حلم لا يقتل الحياة.


18
حاولت هذه الطقوس الصباحية لفترة غير قصيرة 
أنظر الى المرآة صباحا، أبتسم  وأردد: أنت أجمل امرأة في العالم
سيكون نهارك ورداً، ستنجزين كل المتطلبات اليومية، أنت مخزون لا ينضب...
تزحلقتُ أمام مدخل البناية عندما خرجت، ربما كنت الطاووس حينها

جائعة ذهبت الى أقرب مطعم وأحسست بالاهمال، ربما لم يستسيغوا لون شعري وابتسامتي  
وليس هذا مهماً أيضاً، الأهم كان فاتورة الحساب ومعها حبة شوكولاته

فتحت صندوق البريد،لا رسائل تصلني . لم يبق مني في أواخر الليل الا الرماد

مؤخراً أخذت أبدأ صباحي بطقوس أيضاً. تنظر في وجهي المرآة وأسمع صوتاً يقول : 
سيكون نهارك طيناً، الانزلاق ممكن في كل خطوة. قد يستغنون عن عملكِ اليوم او غداً. 
سيعرض عليكِ أحدهم صداقته المزيفة وستقبليها بزيف أيضاً 

وهكذا، لم أعد أعرف مصطلحا أسمه الدهشة، المفاجأة، الغيظ والخيبة ...

منذ ايام، أصطدمنا أنا وسيارة!
أسَعفوني، وتحلقتْ حولي فرقة الرعاية الصحية، كان الأهتمام والخوف في وجوههم لأن  صدري
مهشم قليلا وربما الجمجمة ايضاً .ما أثارهم، أنني لم أكن أتألم  بل أبتسم
آه، كم كانوا مغفلين... 
ومن أين لهم أن يدركوا بأنني قد مت منذ زمن طويل طويل ... 


19
وهناك استطال الحديث وتشعب و لم أكن مستمعة حتى 
المفاجأة كانت حين قال صديقنا لي : الان دورك في الكلام ،أحب سماعكِ
أرتبكتُ، تخيلت فمي اذا فتحته لن يخرج منه الا الهواء ، تأتأتُ ، سمعت وسمعوا قرقعة تشبه
صوت حجر طاحون قديم، أصواتا كما صنوج نحاسية وقرع طبول ونايات وربما أنات قيثارة أوتارها
مشدودة بلا نوتة

لاأذكر تماما بماذا تفوهتُ، أعذروني كان ذلك منذ وجع سحيق، وكان هو، هناك
أدركتُ السر في تلك الليلة، ولم يعد أحد بعدُ يستطيع أيقافي عن الكلام 
لا، لست ثرثارة كما قد يخطر ببالكم، 
وحين لاأجد مستمعاً، أكلم الأوراق. سحبوا الأوراق من تحت يدي بلارحمة أيضاً، أصبحت أكلم
نفسي وأسمعها، هل جربتم الاستماع الى ذاتكم ؟  
وأحياناً، أحادث الفراغ والجدران. مرة، وضعت أذني على جدار ثم آخر ثم آخر، وما أكثر
الجدران 
لشدّ ما راعني نحيبها الأعمق!


20
بعثتُ في عيد ميلادي السبعين سلة من أوراقي الى الرجل الذي أيقظ حصان الكلام في داخلي 

أتعتقدون أنه مايزال حياً كما كان ؟


21
لا رائحة للتراب هنا، لا تراب الا في العيون
الشواطئ اسفلتية أيضاً 
هل يحلم موجي بعناق الرمل؟
لا كثبان رملية أعتلي صهوتها
أنا المنفى
ويحملني صليبي نحو الهاوية.


22
لستُ جدة، انني أكبر من طفلة 
روحي سلامٌ، ولا سلام في الغابة 
أمٌ لكثيرين ولم ألدهم 

أحيكُ اناشيد روحي سجادة لطفلة من ياسمين. 



23
مددتُ جدائل الوقت، رصفت عظام المكان سفينة
وما لمحتُ في العتمة ذراعيك 
هاكَ يدي اليك، اليكْ 
تمزق حولك كفن الغياب وتعالَ 
لن يتكلس الشراع، اذ نبحر سفينة معاً
نرسو الى قاع الملح، نطهر الماء من جرحه ونعلو على مدى قريب، بعيد 
تعال، أنا الأم ومشردون أبنائي...

ياأم روحي : 
هلا تمهلتِ قليلا، هلا رحلتِ الى البعيد البعيد  
مفقوداتي كثيرة، أبحث عن وجه ملامحي، عن شظايا أسمٍ وهبته لي أمي يوماً
أبحث عن حليب شفتي... 

تعال، أعمدكَ بالحب، بالبحر، وباللوتس 
تعال، أسميكَ، كي نكون.


24
أنتشلت قامتي الرهيفة كنبتة من ظلمة وحل، ما كادت عينيّ تستحمان بحفنة ضياء 
راحت تسوطني العاصفة 
قاومت كثيرا، تقوست قليلا، وفي طور آخر تسلقني العليق  والأسلاك الشائكة

يا لحزن وردة تذبل قبل العطر.


25
- الو .....من يتكلم ؟
أنا ....... ابنتك
- ذكريني باسمكِ
أنا الرقم ..... في العائلة، اسمي؟ سلخَته الأيامُ، أمي 
- آه، أنتِ التي ولدتِ في الصيف
وما زالت شفتاي تتشققان
- الأهم قلبك ابنتي
قلبي؟ أكلتُه في ليالي جوعي الطويلة 

- ما بال صوتكِ؟
صـــ...و...
ألو، ألـ، أ.... 


يتبع..