نوافذ يسامرها الصقيع
  


31
كم تثيرون الغيظ في ّ، اذا عبرتم الحلم ثانية أتركوا همسة عميقة في أذني، بطاقة على صدري

خبراً حتى و ان كان أسوداً
هكذا دوماً بلا أستئذان تسكنون، وبلا استئذان ترحلون 

لمَ لم تأخذوا أشلائي معكم، وبمودة ؟


32
قبل أن يرميني الصباح في شوارع المدينة الهائجة، أخلع قلبي 
أودعه تحت شجرة صغيرة في ممر شقتي، أنتعل حذائي بأسفله المصمم ضد الأنزلاق 
مساء أعود، يهفو القلب اليّ كرضيع بين شفتيه شوق لحليب أم 
أنفض عنه الغبار،مرحاً يداعبني بأغنية وأنام

في قاع المدينة تهتُ أياماً، ويا لمرارة مارأيت 
قلبي الآن، قذيفة صدئة.

33
قبل أن تُمعن في الرحيل تمهل قليلا 
لملمْ سحابة عطركَ المتساقط في دمي 
ضمّدْ الفراشات البنفسجية ورفيف أصابعك في خيمة شعري 
أغسلْ همس قلبكَ عن ستائر روحي 
تمهل كثيراً
لملمْ من هنا ذهول قبلة، من هناك خارطة حلم أينعتْ رعشة جسد 
وعلّمْ الروح كيف تنسج في غيابكَ رداء يتراقص مع قناديل الغجر

فقط قليلا، ودعني 
أخط لك على الصدر بوصلة، سَمتُها فلة.

34
تحت شجرة التوت الاحمر كانت تجلس. مزقتْ رسائل العشق التي كتبَتها لرجل انتظرَته طويلا 
تساقط  ثمر التوت في لحظات، أختلط دمه بدموعها وحبر الورق  
أمتصتِ الأرض  خضابهم، عجينتهم 
أنبثق طيف تهلل له قلبها واصبحت معروفة بـ "مجنونة الطيف " 

صدفة رأيتها في طريق العودة، وفي هالة وجهها لمحتُ تجاعيد عمري.

35
اُشغل نفسي  بقراءة الاعلانات المتراشقة في أي مكان أتواجد فيه 
وكلما قرأت اعلانا عن كلب تائه، أتمنى في قرارة قلبي أن أكون الشخص الذي سيجده 
لا لشيئ...... بل لرغبتي في ان يصبح صديقي 

لماذا لا أكون أكثر واقعية ؟
عظامي لن تسد حتى رمقه.


36
 تفقدني الذاكرة أيضا !
وضعتُ في عنقي قلادة عليها أسمي 
هذا ما يفعلونه مع القطط والكلاب في هذا البلد، لكل اسمه وعائلته وتاريخ الولادة 
ارتكبت غلطة أخرى، نسيتُ وطبعتُ أسمي بلغة بلد المنشأ- العربية- ! 
هل سيبحثون عن مترجم من بلدي اذا تهتُ عني هنا، يوماً ما ؟


37
تتملكه نوبات عنيفة، يكيل اللكمات للمرأة " الدمية "  في البهو، يصرخ ويشتم حتى يخور من
التعب ثم يستلقي جانباً و يهدأ 
طلبتُ ملفه من مدير المصحة لدراسة حالته : 
 1-  أصيب بالعجز الجنسي مؤخراً 
2- بدأت الحالة بعد انتقاله الى كندا : ممنوع ضرب الزوجة والطفل  
3- هو الآن في المرحلة الأولى من العلاج.


38
أراه  أنفاً! يتطاول ويمتد ...
وصل الى صحني، الى شعري والى صدري والى...

ألمح داخل بوابات ذاك الأنف " الرجل "  نساء صغيرات واهنات القوى 
عادت الى ذهني أسئلتي الكثيرة لأمي، وأنا صغيرة وجوابها الدائم " أنفكِ لازمه قص، كفي عن
هذه الشيطانية التي تسكنك " 
لشدّ ما يؤرقني موضوع الأنف السرطاني والأنف المجدوع 
بحركة لاارادية أضع يدي على أنفي، كلما خطر سؤال شائك في ذهني

العلاقة عكسية بين أجاباتي وحجمه- أنفه- وأي أنف آخر. أو هذا ما أعتقد.


39
ذاب الثلج على ايقاع قلبينا وشهد بياضه ولادتنا

ذات صيف متأخر، كنا قامة الخريف
والقلب جرة مكسورة تبعثر رمادها غيمة، غيمة

لستُ أنتظر الربيع 
رصعت بيدي قلادة زرقاء لبراعم قلبي.


40
السنديان شامخ يحاور قمة، الفؤوس مثلمة حول قامته

يسكنني هاجس الفقدان عالياً 
وحده السنديان يمنحني ظله ولا يتقاضى ثمناً.


41
"لا تكوني امرأة منتظرة"، كلمات كتبتها على جدراني 
أثر البقعة تلك مازال يعرب عن حضوره، رغم فعل التقادم الزمني 

قد أكتب- يوماً- على صدر الموج، كلمات يشرب البحر روحها ويكافئني، برذاذ.


42
نصيخ السمع إلى أوراقها المتساقطة
نتهالك على مقاعد الخريف 
لاشيء يجمعنا، 
إلا الرغبة في أن يجمعنا شيء!


43
جمح حصان خيالي مرة في درس الفيزياء . البحث كان عن حركة الأجسام في جو مثالي( حيث
انعدام الجاذبية الارضية وعامل الاحتكاك)
أيقظني صراخ الاستاذ من سهوي اذ كنت مبتسمة- جداً- وشاردة 
أمطرني بدبق من عبارات التهذيب والحشمة والخلق الرفيع

 مقاييسنا الأزلية تحتضر، أستاذي!
 متى الحصان يركل العربة المترهلة الى قعر الوادي ويجمح نحو التلة؟


44
مُدرسِة الابتدائية كانت تطلب منا، أحيانا، أن يضع كل رأسه على المقعد بصمت ويحلم 
قليلا ثم يسرد على الجميع ما تيسرْ
ارتبكتُ قبل ان أحدثهم عن حلمي، تذكرت امي وهي تقول " اياكم والكذب"  فتشجعت :
كنت أقبل " مصطفى " زميلي، كما في مسلسل السهرة 
نظرت المدرّسة بغضب وضحك التلاميذ، أصبح لوني كالبطيخ الأحمر وقلت : 
لا، كان مصطفى يقبلني...لا، كنا نتخاصم

استدعوا والدتي ولا أدري ماذا قالوا لها، ونقلوا مصطفى الى الشعبة الأخرى
وكم حقدت على المسكين مصطفى وعلى دواوين أحلام مفصلة بقوالب .

أحلامي اليوم لستُ أقترفها كما يريدون، حتى لو نُفيتُ من كل القبائل.


45
- أين تنام في الليل البارد يا فلاديمير؟
أنا؟ أنا لا أنام، لا سرير لي في امريكا

- لماذا لا تعود الى بلدكَ اذن؟
ضحك ملء الشارع وقال :
لا، سيأتون هم الى امريكا، لا، ستذهب امريكا الى كل مكان 

- ذكريني، من أي بلد أنتِ ؟
أنا ؟ من بلد عربي

- آه، كم أحب أطفالكم، أساطيرالورد والحجر 
فلاديمير! لم يبق لدينا أطفال
- غبية أنت، ها، لدي قصاصاتهم من الجريدة في حقيبتي، أنظري 
 
أطفالنا نبتت لهم شوارب ويحلقون ذقونهم أيضاً
يستحمون بتراب معجون بعرق ودم 
يتعطرون بروح آخر طفل قتلته شظية

- لماذا أنتِ هنا؟  بلادكم غنية بالنفط  ومرابع الديانات السماوية 

لذلك قاماتنا تنفث الدخان من كل منافذها

- لماذا لا نذهب اليهم أنا وأنتِ ؟    
ِ
الطرق متهالكة والى قلب الله مقطوعة.


46
أسالوا السجون عنهم .... لا، لن تبوح جدرانها  
هنيئا لنا، لقد حولوا السجن الى مشفى -  وليس للامراض النفسية- 
اننا بخير كثير، ولن يتحول كل بيت الى سجن 

أمي، الأمية " تكنولوجياً" سترسل لي قريباً شالاً عبر( ويندو 2000)
مصمم بيديها اللتين فقدتا القدرة على حياكة كنزتي الشتوية وما زلت هنا أرتجف

أبي، سيصمم لي حقل الحنطة الذي كانت تغمرني سنابله وأنا صغيرة. 
البارحة أرسل لي عبر ( ويندو 2000) شجرة الرمان التي كنت أعشقها 
رحت أطحن لؤلؤها الأحمر بالمتبقي من أسناني وسال ثمة دم على الورق
 
أبي الذي أستيقظ ذات صباح ولم يجد الحقل الذي سقاه بالعرق والأحلام 
وبعدها لم يجد حتى أولاده 
أبي لم يمت كفاية بعدُ
ينتظر ثمن الأدوية لمعالجة أمراضه المزمنة من أخوتي الذين رحلوا
انهم يهرشون بمخالبهم  شوارع الصقيع  للبحث عن أكثر من رغيف 
ويهرشون ذاكرتهم لتغادرها السجون


لا، أمي وأبي ليس لديهما كمبيوتر والهاتف معطل أغلب الأحيان وليس لي حتى الخيار لأبلغهما
: اشتقتُ...وانني بخير
 
بلغوا شوقي لامرأة كان وجهها بنار التنور يحترق، وكانت تبتسم 
وتنضج لنا الرغيف قبل ان يسحبوا الحقل من تحت اقدامنا، 
حتى أصبح وجهها رغيفا لجوعنا

انهارَ التنورأيضاً، ولكن أمي لن تموت،
انها الأرض.



47
كأسان، واحد لي والآخر للفراغ
طبق أخضر، يكفي شخصين جائعين للربيع 
شمعة وحيدة، جمرية كقلب هذا المساء، وتذوب في حضن الزجاج 
قصبة عطرية، تجمرتْ، ذرفت رماداً في حضن الاريكة 
شذاها لملم أرواحا تائهة، شربتْ من كأسي ومن شفتي 
تقاسمتْ بنشوة صحن الروح ورغيف الجسد

ترجل قلبي راقصا يعانق أنشودة مجنونة
أكان مصدرها جدراني أم صدىً بحرياً بعيداً؟



48
ببوح الياسمين المنسي في صوته، أيقظ النهار 
غسل اغماضة القلب بريشة من ندى
وتغلغل في شَعري  مداه
سكب على شفتي حليب ترانيم الحديقة 

هيا صغيرتي، لنحرث مرج الحلم .


49

النوافذ التي سامرها الصقيع دهراً، نسيتْ مهمتها 
الأبواب التي ما عاد يحاكيها حتى اله الريح 
تتوهمني مسيحها- وكم مغفلة هي-  
وتسكر ببقايا ذاكرة معتقة من عرس قانا الجليل.
الليل لا يسكنه الا عتمته، وبقاياي التي تحاور تداعيات موجة حملت ذات صباح زورقين سارا
صوب شرق وغرب، ولم يكن هناك أفق، ولا مناديل وداع

فلنحمل موجنا ونرحل، بلا نوافذ، بلا أبواب، 
والى عمق بلا قرار.



50
دع الطفل الكبير يلهو، قليلا أو كثيراً
لا تعنفه اذا أنكسرت بين يديه دمية أبنة الجيران وخربش على جدرانك طائرات تشبه الطيور 
دعه يبكي، ويبكي اذا اندثرت وجبة الأفراح من مدارات أيامه 
وربما ساخرا يضحك،اذا تسمّر الزمن الأبيض فوق صهوة حصانه، الخشبي الأعرج 

دعه يكسر قمراً آخر، مرآة أخرى، ولوح قدر أخير 
ويكسر الجفلة الصامتة بين ألعابه التي لا تشيخ 
ارفق به، اذ يعجن التراب بحليب أحلامه، يصنع رغيفاً تتحلق حوله قوافل النمل وقد تتساقط
كفه الناضجة رغيفاً ايضاً
اطرب له، به، حين يصنع من أوراقك نهراً، جسراً ومناديل يلوح بها عند رحيل القارب الأخير
ومعه طيف الحبيبة 
وحين- مضطرباً- يغافلك ويسامر فراشة ترفرف صوب جرحه
 
لا تعنفه اذا تغنى بغير ما ينسجم مع بقايا شعركَ المبيض على غفلة منك 
وان تعب من فوضاه ولا جدواه، كن حلمه 
ودعه يسند رأسه الى أقدام الياسمين المنبثق من حوض الأرض، الطين 

حدق في سراديب يقظته عميقاً.  كم كبير هو، الطفل في داخلك!


جاكلين سلام /كندا