نحن هنـــا في القعر
  



51
لاتهزي أغصان الذاكرة
نشار جمري سيوقظ سرير الطفل المهجور
الطفل الذي أغوته"ديزني لاند" 
وأعياه قبلها"روبوت"

52
أما زال القمر في ريف" حُمْص"  تفاحة فضية ترتحل، 
تغمر ليل التفاح  بأسرار عشاقه النجوم ؟
أما زال العشاق ينتظرون خمر الكروم  ويوقدون للنار شهوتها ؟
أما زال التفاح يعبر النافذة بكل القه ُيقبّل الصباح وعيونكم ؟
أما زال الوادي، " وادي العيون"، في حنينه الأبدي لعناق الجبل ؟
أما زالت مواويل العتابا والميجانا تراقص خصر صبية سمراء أسمها " رجاء" ؟
أما زال قلب الصبية يعوم في افق بلا شراع ؟
أما زال المغيب قصيدة  
ونسيم " الكفرون " يناجي زائرة كالصُدفة كانت تشرب معهم " المتة" والقهوة بالهال ؟

أما زال وراء كل تفاحة يلهث مسدس كاتم للصوت ونهر من دبق مريض، والرجل المبتسم عنوة،
يحصي أنفاس العود والمغني ... 
أما زال الكرم يسكنه الليل بقامته الديناصورية ؟


53
أنظر اليه في فضول، يضع قطعة كلينكس على رأسه ثم يقف، فتسقط  
يضع قطعة نقدية من فئة " 10 سنت" على رأسه، يكتم أنفاسه ويقف، فتسقط 
يضع فوق القطعة النقدية قطرة قهوة من فنجان على الطاولة ويقف، فتسقط 
يضع حذاءه على رأسه ويقف باتزان، فما سقط الحذاء !
يطلق ضحكة مجنونة، يلتفت اليه الزبائن في المقهى، يصيح : الآن توازن العالم 

يخرج بفردة حذاء مثقوبة في قدمه، وأخرى على رأسه، ويترك على المنضدة نقوده كلها ال" 10
سنت" .

هل يحتاج العالم هذا، الى أكثر من رفسة بحذاء متشرد تسوقه الى الجحيم ؟


54
وجهه بلون معطفه الباهت المتسخ، ألتقيتُ به في ركنه المعتاد 
كيف حالك في هذا الشتاء يا مارك؟ 
بمرارة قال : بخير لولا هذا السحاب الخراء لم يعد يسير...

سرتُ مثقلة بمعطفي وبسرعة تناسيت تفاصيل وجهه 
وكنت أحسد نفسي على دفء مصدره معطفي الثخين .


55
أنتظرها، أنتظرته، أحلاماً مشردة

التقيا

الحب،
ركب قطار الغروب صوب اللاجهات.

56
يتأمل السيارات وأسعارها في المجلة، حذاؤه بال

تلبس رتوش ثياب، جسدها معروض للبيع، يجلدها الصقيع 

لا يأكل الحلويات، أسنانه سقطت لفرط ما طحن من صخر الحياة

كل شيئ على مايرام!
في الشارع المجاور مظاهرة عارمة.


57
ارتطم بها وسط سيل من القامات اللاهثة، تبادلا على عجل كلمة " آسف" وتابع كل طريقه شعرت
بطنين صاعق في رأسي 
في البيت نظرت الى المرآة، رأيت دملة حمراء في جبيني، لمستها فصرخ الألم من أعماقي

هم يرتطمون ونحن نتشظى!

58
سأبذل كل ما تبقى من دم الوردة، الليلة، للاحتفاء بك 
وأعرف انك تحب الاحتفاء، وفي جناب السيدات 
فانزعْ قليلا من قناعك وتعال ...
ترجّل عن شاهق خرابة، فقد أعددت نفسي سخياً لهذا الأحتفال

شذبني الورد من شوككَ، واللغة من الانكسار، 
وصُغتُ من قصف الشظايا في دمي، قمراً
تعطرتُ برشقة من روح الجلنار، فما زال بيننا ما يقال... 

أهلا وسهلا بك سيدي، عمتَ مساء 
ومن أسماكَ سيدي ؟! 
حفلنا ليس صاخباً،الليلة، لا طبل، لازمر، ولا حناء
دعني اخلع عطركَ الصاخب عنك، والدبوس الذهبي من ربطة عنقكَ،
وأخلع ما تبقى من قناع 

انظرْ اليكَ مرة أخيرة، وأرحلْ بعرائكَ ... ماعاد بيننا مايُقال .

59
- أين تضعين قدميكِ اليوم؟
على حافة هوة وأنظرُ الهاً غير منظور 
- من تعشقين؟ 
الكلمات وألعاب الاطفال
- كم عمركِ؟ 
غيمة في مخاض  
- قامتك ؟ 
كهوف وأصداف وقافلة بنفسج
- لون بشرتكِ؟
بلون حلم مذعور
- كيف، متى تكتبين؟ 
في محطات المترو، وبين اقدام العابرين وفناجين القهوة 
- عمن تكتبين؟
عن أيوب القرن الجديد في متاهة الجنون
- من تقرأين ؟ 
رسائل القمر الحزين ووجوه المارة وغابتي.


60
صغيرة، وتقف أمام لوح أسود . تغمس أصابعها في الحليب المتبقي على شفتيها وترسم على سبورة
الروح عصافيراً وفراشات وأقفاصاً، أبوابها مشرعة على الفضاء 
بوجع ِأصابعها تهرش عن الألواح صدأ السنين 

لمْ تكن صغيرة،
كان قلب المدينة أكثر عماء من أن يلمس روحها الممتدة، أطفالاً وظلالا .   

 
61
من وهم صنعتُ الطفل الأكثر جمالا
تنفست منه عبق الحياة، أعطيته ثديا ليرضع ويغرق في الحقيقة

كبر بأسرع مما تصورت. كانت هوايته المفضلة تفكيك اي شيئ يقع تحت يديه، كنت أرقبه بفرح
وذهول . نظر الي بخبث وبلا استئذان بعثرني تلك الليلة قطعة قطعة، رمى بعضاً مني في
الحاوية، وأعاد البعض الاخر الى غير مكانه

ومنذ ذاك التشظي، وأنا أتعثر في طريقي اليّ، اليه.


62
قلت لنفسي، المرأة للمرأة خير صديقة وخاصة فيما بعد الخمسين . كونت الصديقة التي أريد 
نقضي الايام نتحادث ونضحك ونهمس وحتى اثناء وجود الآخرين نتبادل النكتة بالأشارة او
بالنظر، لا أذكر ما الذي حصل تحديدا وأصبح بيننا ذاك الجدار الأصم

كنت أتضاءل، وتكبر هي التي من وهم.


63
كلما ذهبتُ الى النوم أُطفئ الشموع
قبل أن تنحدر أهدابي على أجفانها، أسمع بكاء خافتا أدركت مصدره أخيراً، أنه شراشف نومي
والوسادة الصفراء التي أحتضنها 

خلقتُ من وهمي حبيبياً يرعى وحشة الجسد في ليله، أخذَته الشراشف والوسادة مني وما عاد
لونها شاحباً 

وها أنا أنام اليوم في العراء.


64
تغيبتُ عن البيت كثيراً، ولأسباب تافهة عموما
أوهمت نفسي انني مهمة ولي عالمي الصاخب 
عدت ذات مساء، كان الطفل والمرأة والرجل الصديق والحبيب، الذين (من وهم ) في هرج ودي 
سألني أحدهم : ومن أين لكِ مفتاح بيتنا ؟
مذهولة! خرجت مع حقيبتي الزرقاء البالية وغمرني الشارع، فضاء من عتمة وجليد .


65
قهقه كعادته وقال : أهلا صديقتي.... فما شعرت بأي حرج. 
تقوقعت على ذاتي وانا أحتضن حقيبتي البالية 
نظر الي وقال : ماذا لديكِ هذا المساء ؟ كنت أعرف انك ستأتين ذات يوم، 
وأطلق ضحكة مجنونة أطارت النعاس من عيني والدهشة أيضاً 
قلت : أنها أوراقي، الكلمات الوحيدة التي أملك، وهذا الرسم الذي لم اكمله بعد 
قهقه ثانية وقال : الكلمات ليست أبدا بوحيدة 
أما أنا فأكتب هكذا على الهواء 
راح يرسم بأصبعه دوامة كبيرة على جدار وهميّ حتى وصل الى عمق الدوامة، أضاف :

نحن هنا، في القعر.

66
كان يحمل في طباعه بعض خصائص الماء
يعالج جذور الشوك والطحالب التي تنمو على مساحات الطريق بيني وبينه 
ولأنه كالماء، انحسر متابعا دورته 
ومنذ ذلك الزمن أصبحت احدى طقوسي الذهاب الى النهر عند المغيب 
أصنع سفينة ورقية أحملها شمعة حمراء وأدعها تسبح على صدره
أرقبها حتى تغيب عن ناظري وأعود أدراجي متكئة على عصا.


67
يحدق المنبه فيّ بعين حمراء، أتجاهله ، أدير له ظهري 
يطلق المذياع الموقوت على نشرة الاخبار الصباحية سيوله :

- ألقى البوليس القبض على الجاني الذي أغتصب شابة في ساحة كنيسة سان جورج الصيف الماضي
في داون تاون تورنتو.
 
- أجريت عملية تجميلية لامرأة هربت من أفغانستان، زوجها قطع- فقط- انفها وأذنيها 
وفقأ عينها قبل ذلك.

- الحصار الأقتصادي على العراق، ملف مفتوح للحوار على المائدة الامريكية والضحايا
يتحاورون فيما بينهم  ويكتبون قصائد ابتهال الى جلجامش .

- تم تفريق المتظاهرين من العمال والطلاب والنساء في سياتل امريكا باستخدام الغازات
المسيلة للدموع ورشاشات الفلفل، شعاراتهم : ضد العولمة وصندوق النقد الدولي ومنظمة
التجارة الحرة ...

صباح الخير عزيزي، عزيزتي المستمعة.


68
تمسكتُ بذراع الرجل الأعمى
قادني الى حديقة هادئة وهو يدندن
أريد أن أقبلكِ بعيداً عن العيون- اذا سمحتِ- 

كنتُ أكتشف مدينة كندية !


69
والدي يداه تشققتا، كدّاً 
يد الكاهن في بلدتنا ملساء كظهر الأفعى
والدي يغمره الحقل والعرق 
تنبعث رائحة الموتى من الكاهن ويجبروني على تقبيل يديه

مات جارنا، الرجل التقي، أختلف الابناء والأقارب حول مصاريف الجنازة

الكاهن في مدينة بعيدة- تشبه مدينتنا-  خلّف لأحفاده ثروة مقدسة!

هل ستكتبون الى " أبولو" اله الحكمة ؟


70
المقعد الذي أسكرَته حكايانا، رعشات أصابعناً، صيفاً
                              وحيدٌ
تركتُ له قبعتي

الشجرة التي ظلها أغدق واحة قلبينا
                                  عارية
تجلدها سياط العاصفة
دثرتُها بمعطفي

الوردة التي داعبتنا بروحها
                        ذابلة
يسكن الجليد أصابعها
ألبستها القفازات

وعدتُ محملة بعناقيد صمتي 
و                              
        وحيدة.

71
على أهداب عينيها الكحيلتين
                أشهد انتحار السواحل
على قمة نهديها تتربع شمس مترعة بشجن الغياب
في طيات وجهها تجمدت دماء المجازر 
وفي صوتها انكسار الموج
صدرها جنائز موقوتة، والقلم بين أصابعها نصل يرسم العراء

أهذه صورتها، أم تاريخ شعوب ملغومة؟


72
حين فاجأني القمر بالتساؤل عمن اغتال سرب الحمام الرابض ألفة خلف حدود الكلام، 
كانت انكسارتي تذوب وجداً مع رقصة الشموع فوق مساكب الصمت
 
تحت عرش قيثارة الينابيع كانت عروس البحور  تبعثر الموج قافلة من تساؤلات
وكان القمر يمتص بتكاسل ظلال القبور ورائحة المساءات الكسيحة
 
وكان صوت المذيع يتساقط، نشازاً من موجة عبر الأثير.


73
أكن يرقصن، أم يلطمن، أم يذرفن شبقا أزليا ؟ 
لستُ على يقين الآن مما رأيت
الذي ما أزال أذكره اليوم، أنني رأيت جبين نساء كثيرات معصب بصفائح حديدية
وقفل يتدلى فوق مساحة العينين 
رأيت نساء في أقدامهن خلاخل حديدية، ويراقصن أقفالا
رأيت ديناصوراً ينحني تحت ثقل مفاتيح صدئة تحرس وجوده 
 
ما اسم تلك المدن التي يتكرر انبعاثها في ذاكرتي ؟ 
أهي مدن القفل فوق الجبين ؟


74
الكتاب نافذة على العالم، هذا ما سمعته منكم مراراً 
فلماذا كلما قرات كتاباً، لا أرى الا النوافذ الموصدة وضوء شحيح ؟

الصوت للتعبير عني وعنكم، فلماذا أخترعتم لكم مكبرات الصوت ولي المسدسات الكاتمة ؟

أوليست العيون نافذة القلب ؟
حين نظرت في عيني شيخ حارتنا شعرت بقطيع من الذئاب يلهث ورائي ...
كانت جدائلي منحلة على قميصي الربيعي، يداعبها الهواء الغض كقلبي، أسرعت متعثرة بخطواتي
وفقدت كعب حذائي وعدت الى البيت باكية...  
لستُ الآن أقتني حذاء بكعب عال، رغم قامتي القصيرة 
وما زلت أرسم من بصيص ضوء، شعلة. 


75
وسط المتظاهرين كنتُ، حنجرتي ملغومة وصوت مندثر تحت ركام 
أمشي وأبكي، أنا الوجع الموقوت، كقذيفة 
أستيقظ في بركان القمع والحرمان الأزلي، كأمرأة كان صوتها نشازاً، جسدها عورة، والرقابة
سكين مشحوذ أبداً 

بكيتُ وبكيت ومشيت طويلا ومازلت أمشي...
متى نمتلك الدرب والصوت بلا اخصاء؟


76
يوقظني من موتي القصير 
ينهب غفلة العشب 
بلا أستئذان يعبرغابتي 
                 كالضباب       

ينبعث الفينيق من رماده
يحملني على جنحيه، قوس قزح 
يكلل أشجاراً ثمارها نساء.


77
نبع يشذب الحجر 
يسيل دم، تنهض الحديقة حمراء 
صفصافة تستحم بوحل أوجاعها
فيجزع القمر 
يهجر الشرفة، يشاركني جمر العتمة 
فتذوب فضته
            شعاعاً 
                     اثر 
                          شعاع.




ورقة لم تسقط


و...لم 
  
                            
ســ...         
...........عشتار.

جاكلين سلام/كندا 2001.