مهرجان الكلمة في الشارع الكندي ، تورنتو
  


كأن التاريخ يحدث في مكان آخر- خارج كندا 

المهرجان السنوي للمطبوعات الكندية- تورنتو 

"الكلمة في الشارع" في دورتها السابعة عشرة لم تكن لوحدها، كانت برفقة عشاقها الذين
لايحصون وبرفقة المطر الناعم المتقطع والشمس الباهتة. الكلمة في الشارع أضخم مهرجان سنوي
للكلمة الكندية، الكتب والمطبوعات والصحف. المهرجان يجري 24 سبتمبر من كل عام في
الامتداد الفسيح لحديقة "كوينز بارك" في داون تاون تورنتو. الكلمات المطبوعة والمقروءة
في متناول زوار الحديقة منذ الصباح وحتى السادسة مساء، برفقة الموسيقى وألعاب الأطفال
إلى جوار عربات المأكولات السريعة وفسحات للجلوس والاستمتاع بالطبيعة والجوار. 
لم يعد التاريخ يحدث في مكان مكان آخر، والمثقف الكندي متفرج، مستقبل، غائب ومغيب قسراً.
كما لم تعد الكولونيالية الثقافية مهيمنة على الشارع وفي صنع وتلقين المعلومة والتاريخ
كما يبدو للمتجول في هذه الرقعة من زحام البشر والكتب والأوراق. يقام هذا المهرجان منذ
17 عاماً والمنصات تجاور بعضها البعض في قلب تورنتو وبعض المدن الأخرى لتعرّف عن كتّابها
وبرامجها وتتيح للقارئ فرصة التواصل الحي مع الكتّاب والفنانين وآخر إصداراتهم.
وبالمقارنة مع العقود الماضية أجدني في استذكار لبعض أشكال معاناة البحث عن "الذات
الكندية" وتحقيقها بالمعنى الجمعي الوطني والتي طالعتني في أكثر من كتاب أو دراسة لبعض
كبار المبدعين في كندا. الشاعر المعروف جورج باورينغ حيث يتحدث في مقالة طويلة من كتابه
"الخطّاف الأيسر" عن حال الكاتب الكندي في ستينات القرن العشرين فيشير إلى أنه حين كان
يذهب إلى أي مكتبة عامة أو مستودع بيع كتب، لم يكن يجد سوى المطبوعات الأمريكية
والبريطانية، لم يكن يجد حتى كتابه المطبوع حديثاً وكتب أصدقائه الشعراء، عداك عن أنه لم
يكن يجد أيضاً سوى المشروبات الروحية المستوردة من خارج حدود الوطن. 
أيضاً تقول القاصة الكبيرة مارغريت لورنس في إشارة إلى عقد الأربعينات "كان التاريخ 
يُدرس لنا من وجهة النظر الأنغلوفونية...وبالطبع كان الأدب يعني الأدب البريطاني" 
أما مارغريت أوتوود فتشير في كتاب نقدي لها عام 1972 إلى عقد الثلاثينات وما كان يطلبه
أستاذ المدرسة من طلابه، كاستظهار أسماء الملوك البريطانيين وزوجاتهم بينما كانت
المظاهرة تجري في الشارع المقابل وكان ممنوعا على الطلاب الاعتراف بوقوع الحدث :
"التاريخ والثقافة أشياء كانت تحصل في أمكنة أخرى، وإذا حصل ورأيتهم من النافذة، ليس من
المفترض بك أن تنظر"  
لقد تغير واقع الكلمة كثيراً وفي هذا اليوم كانت أتوود في رحلة خارج المدينة لتوقيع كتاب
لها في اسكولتلندا، وبفضل التكنولوجيا العصرية استطاعت التواصل مع عشاقها عبر الشاشة
الالكترونية والدردشة مع معجبيها وتوقيع كتب عن بعد عبر تقنية برنامج "لونغ بن"! 

منصات متجاورة وخيام بيضاء تقيها مفاجآت الطقس الكندي المجنون. عند المدخل يحصل الزائر
على دليل المعلومات ليجد المنصة التي يفضل أن يتابع منشوراتها أو جدول قراءاتها. هناك قد
تلتقي بوجوه تراها في التلفزيون سواء رؤساء الأحزاب السياسية أو عاملين في الإعلام بشكل
عام. صادفني مثلاً رئيس حزب وزوجته الناقدة... يحملان كيسا من الكتب والمجلات، يجران
الدراجة النارية- من دعاة الحفاظ على البيئة من التلوث- يتوقفان من أجل صورة مع مواطن
عابر، ويصدف أن تتعثر بالممثل والكاتب والناشر والمذيع والمذيعة كل في طريق أو ركن. عالم
الكلمة في متناول الجميع ومجاناً. ولا يغيب عن المهرجان طاقم العمل التابع لمنظمة العفو
الدولية في حملة جمع التواقيع المناشدة للحريات وإطلاق سراج السجناء، إلى جانب منصات
الرياضة الروحية، المعارض الفنية، المطبوعات الإسلامية، شباب يرتدون الزي الشعبي
الأفغاني يجيبون على تساؤلات وفضول الزوار، ويوزعون نسخاً مجانية من القرآن الكريم
ومطبوعات للتعريف بالإسلام. 
قراءات من أجل الأطفال والشباب مختلف الأعمار. بعض المنصات منعزلة قليلاً عن وسط الزحام
حين تتم القراءات والحوار مع الحضور. يحتار الفرد في أي الأركان يقف ليسد عطشه وشغفه
ويجد كتبه المفضلة وبأسعار زهيدة. هناك كانت خيمة الأدب الكندي- الكاريبي تزينها شجرة
الموز وبعض المعلقات التراثية الأفريقية، برفقة الموسيقى وقراءات المؤلفين. 
في خيمة " قلم كندا" من أجل حرية التعبير التي استقطبت عدداً كبيراً من الزوار لمتابعة
برنامج القراءة من كتاب" الكتابة عن الحياة" الذي استمر طوال النهار، قضيت مع الآخرين
بعض الوقت في العمل الطوعي لبيع الكتب وجمع التواقيع. أعجبتني القميص السوداء التي
لبستها أثناء العمل، مطبوع عليها بالأبيض "قرأتُ كتباً ممنوعة". ومن الجدير ذكره أن عدد
المتطوعين في مثل هذا المهرجان يصل إلى 150 شخصاً للمشاركة في الاحتفاء بالكلمة وتسهيل
عبورها من يد إلى أذن إلى قلب وشارع يصنع الحدث.
عند انتهاء المهرجان، وحين انصرافنا وسط الزحام صدف وأن كانت أمامي شلة من الشباب
والشابات، زوار من خارج كندا، كانت إحداهن تحمل مظلة بألوان العلم الأمريكي، وبصخب
الشباب كانت تسخر وتطلق التعليقات، حين التفتت ورأتني قالت: "لا لا، نحن نحب تورنتو،
تورنتو مدينة ثقافية عظيمة"... 
في طريق العودة تصفحتُ المجلة المجانية التي حشرتها في يدي تلك الشابة المبتسمة، ورميتها
في سلة النفايات الورقية قبل أن أصل إلى بيتي محملة بحقيبة من الأوراق والكتب التي بيعت
بأسعار متواضعة، كلها على الإطلاق صناعة كندية.

سبتمبر 2006 

نشرت في السفير 19 يناير 2007


جاكلين سلام /تورنتو كندا 
Bread_rose2@yahoo.com